آخر الأخبار

أخبار فلسطين

عربي ودولي

شؤون اسرائيلية

اخبار الرياضة

المجتمع والحوادث

اقلام وآراء

مكتبة الفيديو

لماذا أوقف السادات "المنتصر" الحرب ضد إسرائيل؟ (1)

مدونة الاحرار :  اندبندنت عربية - الكاتب والباحث - حامد الكناني :- 
 حرب أكتوبر أو حرب الـ10 من رمضان كما تعرف في مصر أو حرب تشرين في سوريا أو حرب يوم الغفران (يوم كيبور) بإسرائيل، هي حرب مباغتة شنتها مصر وسوريا في وقت واحد على إسرائيل عام 1973.

بدأت الحرب يوم السبت الـ6 من أكتوبر (تشرين الأول) بتنسيق هجومين مفاجئين ومتزامنين على القوات الإسرائيلية، أحدهما للجيش المصري على جبهة سيناء المحتلة، وآخر للجيش السوري على جبهة هضبة الجولان المحتلة. وقد أسهمت في الحرب بعض الدول العربية سواء بالدعم العسكري أو الاقتصادي، بخاصة السعودية التي دعمت عسكرياً، واستخدمت سلاح النفط، كما حصلت إسرائيل على الدعم الكامل من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

وكانت إسرائيل في حرب 1967 (حرب الستة أيام) قد احتلت شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، إضافة إلى الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني وقطاع غزة الخاضع آنذاك لحكم عسكري مصري.

تصف وثائق الأرشيف الوطني البريطاني حرب السادس من أكتوبر بالحرب الرابعة، لكن المصادر العربية اعتبرتها الحرب الخامسة التي حدثت بين العرب وإسرائيل.
الرئيس المصري الأسبق أنور السادات يطلع على الموقف على الجبهة في حرب أكتوبر (غيتي)
أنور السادات... مهندس الحرب المباغتة
يؤكد التقرير الدبلوماسي المرسل من قبل السفارة البريطانية لدى عَمان إلى وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث في لندن في الـ10 من يناير (كانون الثاني) 1974، إن نجاح الخطط العسكرية المصرية والمكاسب السياسية التي تحققت في الأيام الأولى من الحرب تعود إلى الرئيس المصري السابق أنور السادات، "إن الفضل في نجاح خطة المباغتة السياسية والعسكرية الرائعة تعود إلى السادات نفسه. ظهرت التدريبات فجأة على طول القناة، وكانت الشيء الحقيقي، وبحلول الثامن من أكتوبر كانت الضفة الشرقية بأكملها في أيدي المصريين. في غضون أسبوع، كان لدى المصريين 100 ألف رجل في سيناء حفروا الخنادق تحت الغطاء الجوي الخاص بهم، ثم تقدموا لتخفيف الضغط عن السوريين، وعجلوا بالهجوم المضاد الإسرائيلي في الـ15 من أكتوبر".
الوثائق البريطانية تعتبر حرب أكتوبر هي الرابعة بين العرب وإسرائيل (الأرشيف البريطاني)
ووفق ما جاء في هذا التقرير فإن "الهجوم المصري لم يكن متوقعاً على الإطلاق، وأن هدف السادات الرئيس من شن الهجوم هو خلق وضع جديد من شأنه أن يؤدي إلى حل دبلوماسي للمشكلة العربية- الإسرائيلية، لكن العملية كان لها أهداف أخرى، بما في ذلك تدمير الأساطير الرائجة حول قوة إسرائيل التي لا تقهر والمفاهيم الاستراتيجية الخاصة بإسرائيل كما كان يعتقد معظم المراقبين، لكن عدداً قليلاً من المصريين كانوا يعتقدون أن الجيش المصري سيكون لديه فرصة في حرب أخرى مع إسرائيل. ومع ذلك، تحسنت المهارات القتالية وارتفعت الروح المعنوية عندما جرى تعيين أحمد إسماعيل علي وزيراً للحرب في أكتوبر 1972، ربما كانت هناك تعليمات للتحضير للهجوم. اعتمدت خطة الهجوم على نقاط القوة المصرية، وتحديد نقاط الضعف الإسرائيلية. وقد نصت على شن هجوم مفاجئ على طول قناة السويس يتبعه تعزيز على الضفة الشرقية قبل هجوم مضاد إسرائيلي".
وفي تقرير آخر جاء ما نصه، "بالنسبة إلى الرئيس السادات كانت هذه حملة سياسية، في الأقل بقدر ما كانت حملة عسكرية. كان هدفه هو تأمين الانسحاب الإسرائيلي من سيناء كجزء من تسوية مشكلة الشرق الأوسط، التي كان يائساً من تحقيقها بأي وسيلة أخرى. وقد أقنعته سلسلة من التجارب بأنه لا يستطيع جذب الاهتمام الجاد للقوى العظمى إلا من خلال اختلاق أزمة حقيقية في الشرق الأوسط".

انحياز أميركا إلى إسرائيل زاد من إصرار العرب
ويتحدث التقرير في فقرته الثانية عن انحياز أميركا ودعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، وهو الأمر الذي دفع الرئيس المصري أنور السادات إلى اللجوء لخيار الحرب والاحتفاظ به، "على رغم أن العوامل العسكرية هي التي حددت تاريخ ووقت الهجوم، فإن التطورات السياسية الدولية خلال العام السابق عززت التزام السادات بخيار الحرب. فشلت سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط في التطور بعد إعادة انتخاب الرئيس نيكسون. أعقب زيارة حافظ إسماعيل إلى واشنطن في فبراير (شباط) 1973 مباشرة إمدادات جديدة ومتجددة من طائرات ’الفانتوم’ لإسرائيل. لم يتم إيلاء اهتمام كبير للشرق الأوسط في قمة نيكسون - بريجنيف في يونيو (حزيران). واستخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في شأن الشرق الأوسط في الـ26 من يوليو (تموز)".
السادات اضطر إلى قرار الحرب في ظل الانحياز الأميركي لإسرائيل (الأرشيف البريطاني)
الأسباب التي دفعت السادات إلى وقف الحرب
وبحسب ما تذكر إحدى الوثائق نقلاً عن الرئيس المصري فإن إسرائيل فقدت 500 دبابة خلال الثلاثة الأيام الأولى من الحرب في سيناء، "المصريون ردوا على العدوان الإسرائيلي في السادس من أكتوبر في الأيام الثلاثة الأولى وحدها فقدت إسرائيل 500 دبابة في سيناء. كانت إسرائيل، بعد القتال لمدة 11 يوماً على جبهتين، منهكة تقريباً، لكن، في تلك المرحلة دخلت الولايات المتحدة الصراع بشكل غير مباشر من خلال استبدال المعدات الإسرائيلية المفقودة، وتزويد أسلحة جديدة لدرجة أنها لم تكن استُخدمت بعد مع القوات الأميركية. عندما اقترحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في وقت لاحق وقف إطلاق النار، قبل (السادات) لسببين أولاً، لأن القوتين العظميين ضمنتا وقف إطلاق النار عند خطوط 22 أكتوبر والتنفيذ الفوري للقرار 242، وثانياً، لأنه (السادات) لا يريد محاربة الولايات المتحدة. وعلى رغم وقف إطلاق النار، واصل الإسرائيليون تنفيذ هجومهم من القنوات، الذي كان سياسياً ونفسياً بقدر ما كان عسكرياً في أهدافه (كانت عملية يائسة). الآن يقول الإسرائيليون إنهم قطعوا الاتصالات عن الجيش الثالث، وكانوا يحاصرونه، لكن الفجوة الموجودة في الضفة الغربية هي جيب والجيش الإسرائيلي هو أول من يعرف أنه جيب. اختلطت المواقع والجيش الثالث خلفهم ويمكنه ضربهم والقضاء عليهم هناك".

وكان السادات قد أعلن عن موافقته على القرار 338 بشكل منفرد عن باقي العرب، مؤكداً ثلاث نقاط وهي تنطلق مصر من افتراض أن إسرائيل، بموجب قرار مجلس الأمن الصادر في 23 أكتوبر، يجب أن تبدأ فوراً في سحب قواتها إلى الخطوط التي سيطرت عليها في 22 أكتوبر في الساعة 18 ساعة و52 دقيقة.
غضب العرب من السادات بعد موافقته على قرار وقف إطلاق النار دون الرجوع لشركائه العرب (الأرشيف البريطاني)
وبمجرد انسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية للقناة من مؤخرة الجيش الثالث، في سياق هذه العملية، باتجاه البحيرات المرة، سيتم رفع الحصار عن مضيق باب المندب، وسيتم رفع حقول الألغام الموجودة هناك. وبمجرد أن تكمل القوات الإسرائيلية انسحابها إلى الخطوط التي كانت تسيطر عليها في 22 أكتوبر، في الساعة 18 و52 دقيقة، سيكون هناك تبادل لأسرى الحرب".

أثارت موافقة الرئيس المصري أنور السادات على القرار الأممي من دون مراجعة شركائه العرب موجة غضب عربية عامة، واستغلتها النظم الثورية في العراق وسوريا وليبيا ضد السادات نفسه. وتتحدث إحدى الوثائق البريطانية الصادرة من السفارة البريطانية لدى طرابلس عن الغضب العربي، وتداعيات قبول الرئيس المصري أنور السادات قرار وقف إطلاق النار مع إسرائيل، "وقد دين وقف إطلاق النار في جميع أنحاء العالم من قبل وسائل الإعلام، باعتباره عملاً من أعمال الخيانة ضد الشعب العربي، بتحريض من القوى العظمى وإسرائيل. ويبدو أن هذا الشعور منتشر على نطاق واسع بين الليبيين، على رغم أن التظاهرة ضد السفارة الأميركية كانت بوضوح عملاً جاهزاً، وجرى تنفيذها بشكل ضعيف. إن الناس لا يفهمون لماذا يوافق السادات، بعد أن بدأ الحرب، على إنهائها من دون التوصل إلى نتيجة ملموسة. هناك شعور بالغضب من أنه كان ينبغي للمصريين أن يطلبوا في الأمم المتحدة وجود دولة عظمى على الأراضي العربية. لقد بدأنا نتلقى قصصاً جديدة عن تراكم العداء ضد المغتربين المصريين هنا، وعن الاستياء المصري من المواقف الليبية".

أميركا تحاول نشر قوات دولية في منطقة الخليج العربي
وتشير وثيقة أخرى مرسلة من قبل السفارة البريطانية في الكويت إلى مرجعيتها في لندن تحمل رقم 911 بتاريخ 16 أكتوبر 1973 إلى سعي أميركا توسيع دائرة الصراع بغية فرض سيطرتها على الشرق الأوسط، لا سيما منطقة الخليج العربي، وذلك من خلال نشر قوات دولية تحت قيادتها وإشرافها في المنطقة.
واشنطن اقترحت على الهنود المشاركة في قوة حفظ سلام لهم بالشرق الأوسط (الأرشيف البريطاني)
جاء في الوثيقة ما نصه، "واشنطن ونيودلهي الصراع في الشرق الأوسط. أخبرني زميلي الهندي اليوم أن كيسنجر قد أبلغ السفير الهندي في واشنطن قبل بضعة أيام عن إمكانية انضمام وحدة هندية في قوة حفظ السلام في الشرق الأوسط. لقد أوضح أنه لا يتحدث فقط عن قوة بين العرب وإسرائيل، لكن عن منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما في ذلك منطقة الخليج، وأنه سيكون مهتماً بشكل خاص بمشاركة الهند في أي قوة في منطقة الخليج. قال السفير الهندي، إن زميله أخبر كيسنجر أن تجارب الهند السابقة في غزة وأماكن أخرى من غير المرجح أن تدفع دلهي إلى الرغبة في المشاركة مرة أخرى".

موقف دول أوروبا الغربية من الحرب
‏يتحدث التقرير البريطاني في الفقرة الثامنة عن الدور الفرنسي وعلاقاتها بمصر، يقول "تمكن الفرنسيون من إقناع المصريين بأنهم لا يزالون أكثر ودية منا على رغم أنهم لعبوا دوراً أصغر، وربما كان لهم تأثير دولي أقل إلى حد ما. ارتكب الهولنديون، المعروفون بالولاء لإسرائيل، بعض الأخطاء في بداية الحرب، ولم ينجحوا بعد في إصلاحها. كان الأميركيون سيظهرون كأعداء غير مؤهلين لو لم يدرك المصريون أنهم وحدهم القادرون على إنقاذ الإسرائيليين وكتموا دعايتهم وفقاً لذلك. ما إذا كان هذا الوضع سيستمر سيعتمد كلياً على مدى فعالية الأميركيين في استخدام نفوذهم في إسرائيل لصالح العرب. في الوقت الحاضر، يراود الشك وخيبة الأمل مع قليل من الإعجاب بطاقات كيسنجر وقدراته".
رغم الدور الصغير للفرنسيين إلا أنهم أقنعوا المصريين بأنهم أكثر ودية من البريطانيين (الأرشيف البريطاني)
ويضيف التقرير "كان الدور السوفياتي بالتأكيد أقل شراً مما كان يظن كثيرون. من شبه المؤكد أن الروس علموا بنية المصريين للهجوم من خبرائهم في الميدان قبل أيام قليلة فقط، وبعد أن قاموا بإجلاء كبير، يبدو أنهم لم يبذلوا سوى القليل من المحاولات أو لم يبذلوا أي محاولة للتأثير في القرار المصري في الأقل حتى زيارة كوسيجين إلى القاهرة في 16 أكتوبر. حتى الآن يبدو أنهم لم يجنوا سوى القليل من المزايا المباشرة من الحرب. ويبدو أنهم أدركوا، أخيراً، أن التركيز المصري هو تجنب الاعتماد الحصري على أي قوة بوحدها".

نبيل فهمي - حرب أكتوبر 1973 ملحمة تاريخية غيرت الواقع وشكلت المستقبل

مدونة الاحرار : نقلا عن  اندبندنت عربية - الكاتب / نبيل فهمي - لقد مر نصف قرن على حرب أكتوبر (تشرين الأول) المجيدة، وأتذكر جيداً اللحظة التي علمت فيها باندلاع المعارك، وشعوري حينذاك، وردود الفعل التلقائية بين المواطنين، لذلك أعتبر أن حرب أكتوبر كانت لحظة فارقة في الشرق الأوسط، نتيجة ملحمة لإعادة بناء القوات المسلحة المصرية، وتطوير أداء مصر السياسي، واستعادة الشعب المصري لثقته في النفس، وعودة مصر إلى وضعها الطبيعي ومكانتها المتميزة في الشرق الأوسط.

لا يخفى على أحد أن نكسة 1967 القاصية هزت الشعبين المصري والعربي، ورسخت شعوراً عربياً وإسرائيلياً زائفاً بأن الدولة المعتدية قوة لا تقهر.

وكان الرئيس المصري أنور السادات قد سعى من دون جدوى لتحريك عملية سلمية عربية - إسرائيلية قبل الحرب، وطرح مبادرات مختلفة من ضمنها، فتح قناة السويس لمرور السفن المدنية في حال انسحاب القوات الإسرائيلية 50 كيلومتراً شرقاً، وأوفد مستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل لمقابلة هنري كيسنجر سراً في باريس ونيويورك عام 1973، إلا أن الجانبين الإسرائيلي والأميركي لم يأخذا المبادرة بجدية لشكهم في قدرة مصر والعالم العربي على تحريك الأمور، بخاصة بعد أن طلب السادات من الخبراء الروس مغادرة البلاد قبل ذلك بعام، مما خلق توتراً بينه وبين القيادات الروسية المورد الرئيس للسلاح المصري. وتقتضي الأمانة الاعتراف أيضاً بأن الشك في إمكان تحريك الجبهة لم يكن شعوراً بعيداً مني وأنا في السنة النهائية من دراستي الجامعية، أو من غالبية الشعب المصري بمختلف فئاته، الذي كان لا يزال متأثراً بتداعيات شعبية ومعنوية قاصية لحرب 1967، على رغم الجهود الذي بذلت والتضحيات في حرب الاستنزاف، بل إنه كان شعوراً سائداً ومنتشراً إقليمياً ودولياً.

في ظل هذه الظروف الصعبة، أخذ أنور السادات القرار الشجاع والصائب ببدء حرب 1973، وخطط بحكمة لشن حرب محددة الأهداف العسكرية بالتنسيق مع سوريا، من أجل غربلة المعادلة السياسية، وتهيئة المناخ لإجراء مفاوضات عربية - إسرائيلية ، متطلعاً أن تنتهي حتماً بإعادة الأراضي المصرية المحتلة، وبسلام عربي - إسرائيلي شامل، وبتلبية الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني.

وعلى رغم القلق الأولي مع اندلاع المعارك، أعادت الحرب الثقة للشعبين المصري والعربي، نتيجة الدور البطولي للقوات المسلحة المصرية الباسلة، تحت قيادة المشير أحمد إسماعيل، وجهد وتضحيات لا تنسى لضباطها وجنودها، من أعلاهم رتبة إلى أصغر جندي. قوات قهرت حائط بارليف المنيع، وكسرت شوكة الغرور الإسرائيلي، بأداء عسكري رفيع فاق كل التوقعات. قوات انطلقت حباً للوطن، مضحية من أجل ترابها، على رغم علمها بالتحديات والصعوبات والقلق الذي كان سائداً عن تأمين السلاح الكافي والملائم للعمليات العسكرية.

وفاق الأداء العسكري المصري كل التوقعات الدولية والإسرائيلية، كما كشفته المحاضر والمستندات الإسرائيلية التي تم الإفراج عنها حديثاً بمناسبة مرور 50 عاماً على الحرب، التي أوضحت أن إسرائيل كانت تتابع وملمة بالتحركات العسكرية المصرية، وإنما خلصت الأغلبية من قياداتها إلى أن المصريين لن يقدموا على الحرب لعدم ثقتهم في النتائج المرتقبة، في ظل الشعور المصري الجارف بالتفوق العسكري الإسرائيلي.

وأعاد قرار الحرب والأداء العسكري المصري البطولي إلى مصر مكانتها في الساحتين الإقليمية والدولية، ومع قرب نهاية الحرب استقبل الرئيس الأميركي نيكسون، إسماعيل فهمي مبعوثاً عن السادات ووزير الخارجية بالإنابة حينذاك، وأبلغه نيكسون أن مصر أثبتت أنها محرك رئيس واستراتيجي في المنطقة، وأن الولايات المتحدة ستعاملها على هذا الأساس. بل خرق نيكسون كل القواعد البروتوكولية وصاحب الوزير المصري إلى سيارته تقديراً لمصر وشخصه، وكلها دلالات على أن الحرب المجيدة غيرت الواقع في الشرق الأوسط والمنظور الوطني والدولي لمصر والعالم العربي.

حرب أكتوبر كانت عملاً عسكرياً مبدعاً بغرض بدء عملية سلام تفاوضية، وأول خطوة في عملية السلام كانت أول طلقة نيران عسكرية، وأول قفزة لجندي مصري لعبور قناة السويس، وذلك ليس كلاماً مرسلاً أو عاطفياً، لأن بدء المفاوضات المجدية يتطلب إقناع الطرف الآخر بأن مغبة عدم التفاوض أصعب وأكثر بكثير من الشروع في هذا الجهد، وهو ما نجحت فيه القوات المسلحة المصرية.

ومن أهم أهداف وإنجازات حرب أكتوبر كان إنهاء الغرور الإسرائيلي السياسي، بأنها قادرة على استمرار الاحتلال وتجاهل حقوق مطالب الدول العربية، وإفاقة الولايات المتحدة أن استمرار النزاع العربي - الإسرائيلي سيكون له تداعيات مباشرة على الساحة الدولية، وفرضت الحرب محور المفاوضات خياراً وسبيلاً.

اشتعلت المعارك والصدامات الدبلوماسية بعد اندلاع العمليات العسكرية مباشرة، لاختيار الموعد المناسب لقبول وقف إطلاق النار، وتعديل بعض التجاوزات الإسرائيلية عقب وقف إطلاق النار بغية الإضرار بالمواقع والقوات المصرية إلى تبادل الأسرى، وفك الاشتباك بين القوات على مراحل. وبدأ مؤتمر جنيف الأول في ظل مناخ دولي متغير بين القطبين السوفياتي والأميركي، ورغبة وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر تجنب عملية سلام حقيقية، واهتمامه وتفضيله ضبط الإيقاع والاستقرار فقط، بما يمكن الولايات المتحدة من التركيز على العلاقات مع الاتحاد السوفياتي، هذا فضلاً عن انحيازه لإسرائيل، وهو ما تطلب حنكة دبلوماسية مصرية وتوازنات دقيقة مع كل منهم، حفاظاً على استقلالية القرار المصري، وتأميناً للمصالح المصرية، وهي معارك أديت بكفاءة عالية، تحسب للدبلوماسية المصرية بقيادة إسماعيل فهمي وزير الخارجية من 1973 – 1977، والدبلوماسيين في مؤسسة وزارة الخارجية العريقة، الأمينة دائماً على المصلحة المصرية والمخلصة في المحافظة على سيادتها.

سمحت لي الظروف بمتابعة تلك المرحلة من قرب وبشكل مباشر، وشهدت لحمة من العمل الاستراتيجي المصري المشترك والتعاون العملياتي والتنفيذي، والاحترام المتبادل بين قيادات ومؤسسات الدولة المختلفة، كل من زاويته وخبراته، ومناقشات عدة وآراء مختلفة حول أفضل سبل التحرك العسكري والسياسي والدبلوماسي لتحرير الأراضي المصرية وهو ما تحقق، وجهوداً مضنية للتوصل إلى سلام شامل، تتعثر للأسف نتيجة التزمت الإسرائيلي، وظل الاحترام والتقدير قائمين بين القيادات المصرية حتى بعد استقالة وزير الخارجية المصري، لقناعته أن إسرائيل تحاول التفرقة بين العرب بما يسمح لها تجنب استحقاقات السلام العربي – الإسرائيلي.

تحية لأبطال مصر سياسيين وعسكريين ودبلوماسيين، ورحم الله من فقدناهم أثناء المعارك أو عبر السنين.

وتحية للشعب المصري النبيل في هذه الذكرى الخالدة لحرب مجيدة غيرت الواقع وشكلت المستقبل.

ناصر اللحام - وماذا لو طبعت السعودية مع إسرائيل من دون القضية الفلسطينية

 مدونة الاحرار : نقلا عن  وكالة معا الاخبارية

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

بسبب كثرة التقارير "الملغمة" التي تنشرها الصحف الامريكية والإسرائيلية تحديدا ولا أحد يرد عليها أو يدقق في صدقها. يتدحرج هذه الأيام بين الفلسطينيين والعرب ابرز سؤال: وماذا لو طبع الأمير محمد بن سلمان مع الاحتلال من دون حل القضية الفلسطينية؟ .
وهو سؤال تلقائي صحيح يجب ان يكون دائما على الطاولة. بل ان غيابه يعني ان القيادات أصيبت بالعمى السياسي، وتركت كل شيء للصدفة البحتة.
الجواب بسيط ومباشر بقدر ما هو السؤال مباشر: يكون الفلسطينيون في حل من أي التزام تجاه هذا الاتفاق الذي تخطّاهم وتجاهل حقوقهم ويصبح مثله مثل صك تطبيع السودان، ويتم التعامل معه باعتباره صك استسلام جديد وغير ملزم لأصحاب القضية، وباعتبار انه مؤامرة واعتداء على الشعب الفلسطيني كله. ومن دون أي غضب او احباط فلا يهم الفلسطينيون تصعيد أي خلاف مع السعودية مهما حصل؛ تماما مثلما نظر الفلسطينيون الى تطبيع البحرين والامارات. وانما وجب مواصلة محاربة إسرائيل وافشال مؤامراتها، ومواصلة النضال والكفاح ضد الاحتلال حتى يدرك الاحتلال انه لو طبّع مع كل حكومات الأرض فان هذا لن يفيده بشيء ولن يمنحه الامن على ارض فلسطين مهما طال الزمان.
السؤال الأهم من السؤال الأول: ماذا تستفيد إسرائيل من التطبيع مع السعودية من دون حل القضية الفلسطينية؟ وماذا يخسر الفلسطينيون؟
بحسب علمي لا يوجد حرب وقصف وغارات وصواريخ بين السعودية وإسرائيل ما يستلزم معاهدات سلام بين الطرفين!! ولو طبّعت مع السعودية من دون القضية الفلسطينية تكون إسرائيل قد حصلت على جائزة أغبى احتلال على وجه الأرض، وأضاعت فرصة تاريخية للحل السياسي لن تعود طالما هذه الأجيال على قيد الحياة. ولسوف يعيش الإسرائيليون المستوطنون على هذه الأرض أسوأ كوابيسهم في السنوات القادمة.
ماذا يخسر الفلسطينيون ؟
سوف يخسرون الوهم الذي عاشوا فيه منذ ربع قرن، وان الاحتلال الصهيوني ربما يلتزم باي اتفاقات سلام.
سوف يخسرون سلطة بلا سلطة حوّلت الشعب الفلسطيني الى جهة محتاجة للدعم من اجل ان تصرف على الخدمات بدل الاحتلال. ولا يحتاج أي مواطن فلسطيني أي دعم مالي سياسي مشروط لتبقى هذه السلطة مرهونة لأي أمر ممول.
سوف يخسر الفلسطينيون وهم المبادرة العربية، ووهم الأنظمة، ووهم الصداقات المبنية على الصمت المريب.
ولو شمل أي اتفاق سعودي إسرائيلي حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة والمنصوص عليها في قرارات الجماعة العربية ومنظمة الدول الإسلامية وقرارات الأمم المتحدة. تكون السعودية قد استفادت ما هو أثمن من المليارات واهم من المال والبترول، تكون قد انتصرت لقضية عادلة ترفع من شأنها عربيا وإقليميا ودوليا.
بكل حال. بات الجميع على قناعة راسخة ان فلسطين قضية أجيال، وأنها أم القضايا العادلة، وان أي قائد فلسطيني او عربي يستعجل حسم الصراع بأي ثمن فهذه مشكلته الشخصية والأجيال القادمة لن تلتزم به.
من حظ إسرائيل السيء انها تورطت مع شعب هو الأشد عنادا على وجه الأرض. وان هذا الشعب المظلوم سوف يحاربها ليل نهار وفي كل مكان وزمان حتى ترحل وينتهي مشروعها الاستعماري.
الشعب الفلسطيني لن يقع في الفخ ويضيع البوصلة. فهو يحترم ما قدّمته الدول العربية والشعوب العربية والأنظمة العربية لفلسطين. ولن يكون هناك معارك جانبية مع الأنظمة التي طبّعت مع الموساد من دون حقوق الشعب الفلسطيني. ولكن استراتيجيا سوف تدفع إسرائيل ثمن هذه اللعبة القذرة، بدليل ان اتفاقية فرساي الظالمة كانت هي السبب الأول في اندلاع الحرب العالمية الثانية.

د. جمال زحالقة يكتب لبانيت : أربع ملاحظات في ثلاثينية اتفاق أوسلو

مدونة الاحرار : موقع بانيت وصحيفة بانوراما - الكاتب د. جمال زحالقة :  المطلوب إلغاء التنسيق الأمني قولا وفعلا، والإعلان عن أن قوى الأمن الفلسطينية ستدافع عن المدن والقرى والمخيمات وتحميها من أي اعتداء، سواء من الجيش أو من المستوطنين ..

كان اتفاق أوسلو سيّئا ومنقوصا وغير عادلٍ في نصّه المكتوب والمدوّن على الورق، وكان كذلك حتى في المعاني والتسويغات والفذلكات، التي رافقت الإعلان عنه. لكنّ تطبيقه على أرض الواقع كان أسوأ بكثير، فالطرف الإسرائيلي هو الأقوى، وهو الذي تحكّم طيلة الوقت ليس بفرض تفسيراته للاتفاق فحسب، بل هو أخذ منه ما شاء ويشاء، ورمى ما بقي في سلّة المهملات، ورفض حتى وضعه على الرّف حتى يأتي حينه. وهكذا فإن اتفاق أوسلو المنقوص أصلا، لم يطبّق بشكل كامل وشامل، بل طبق قسم منه فقط وبشكل منقوص أيضا. الانسحابات لم تتم كما نص الاتفاق، والمعبر الآمن من غزّة إلى الضفة بقي حبرا على ورق، والمطار تبخّر، والحل النهائي لم ينته خلال خمس سنوات، ولا حتى بعد ثلاثين عاما. كل هذا دفع الكثيرين، حتى ممّن دعموا اتفاق أوسلو في البداية، إلى الدعوة إلى إلغائه بالكامل وعدم الالتزام به نهائيا، لأنه أصبح معطوبا إلى درجة لم يعد قابلا للتصليح، مهما كانت الجهود، ولكن القيادة الفلسطينية ليست مستعدة للاقتناع بهذا الأمر، وبإعادة النظر باتفاق أوسلو، ظنّا منها أن إبطاله يعني انهيار السلطة، مع أنه يمكن اعتماد بدائل معقولة وممكنة، إذا تم هجران منطق وعقلية «قلّة الحيلة».

المطلوب إلغاء التنسيق الأمني قولا وفعلا، والإعلان عن أن قوى الأمن الفلسطينية ستدافع عن المدن والقرى والمخيمات وتحميها من أي اعتداء، سواء من الجيش أو من المستوطنين

ولكن كان غريبا جدّا أن تطرح القيادة الفلسطينية مؤخّرا على الإدارة الأمريكية مشروعا للعودة الى تنفيذ اتفاق أوسلو بالكامل، واعتبار نصّوصه خطّة عمل ملزمة. لم تقبل الولايات المتحدة هذا المقترح، ورفضته بادعاء أن إسرائيل لا تقبل به وهو غير قابل للتطبيق. من المهم طبعا فضح خرق إسرائيل للاتفاقيات الموقّعة، ولكن ليس كمقدمة للعودة إليها، بل لإقناع العالم بأن الشعب الفلسطيني، لا يقبل أن يعيش تحت رحمة التفسير الإسرائيلي لأوسلو، ويحق له أن يعتبر الاتفاق لاغيا ملغيا، خاصة أن إسرائيل قضت عليه نهائيا. أمّا الادعاء بأن نص أوسلو جيّد، ولكن التفسير الإسرائيلي له شوّهه وتطبيقه على الأرض خرّبه، فهو لم يعد مقنعا لأحد، خاصة أن معارضي أوسلو الأوائل تنبأوا بما يحدث بناء على نصّه، التي ترك مجالا لإسرائيل لتفسّره على هواها، وسمح لها بتطبيقه كما تشاء، وعليه فإن الشرط الاستعماري الإسرائيلي هو الذي حسم وما زال يحسم، وأوسلو تحوّل إلى أداة في إطار هذا الشرط.

الاقتصاد
لعبت النخبة الاقتصادية التي أحاطت بوزير الخارجية الإسرائيلي أيام أوسلو شمعون بيريس، دورا مهمّا في دفع الحكومة الإسرائيلية للتوصّل إلى نوع من التسوية. وقد مثّلت هذه النخبة الصناعات التقليدية، التي أرادت التوسّع عبر تجنيد رؤوس أموال عربية، ومن خلال فتح الأسواق العربية للبضائع الإسرائيلية، وكذلك تحسين مكانة الدولة الصهيونية السياسية وما ينتج عنها من تسهيل التعامل الاقتصادي مع أطراف دولية وازنة. لقد استفادت إسرائيل من الاتفاق وحدثت طفرة كبيرة في النمو والتطوير، وزادت الاستثمارات وازدهرت السياحة وانخفضت معدّلات البطالة إلى النصف، وفتحت أسواق عالمية جديدة أمام الاقتصاد الإسرائيلي. وليس من المعروف ماذا كان مدى وعي المفاوض الفلسطيني بحاجة إسرائيل إلى الاتفاق في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، ولكن من الواضح أن الحاجة الاقتصادية كانت مكشوفة وظاهرة للعيون لمن أمعن النظر ولو قليلا. ومع أن الاقتصاد الإسرائيلي شهد تطوّرا اقتصاديا كبيرا، لم يضاهه سوى ما كان بعد حرب 1967، إلّا أن الجشع الإسرائيلي دفع إلى استغلال الاقتصاد الفلسطيني إلى أقصى درجة، عبر فرض اتفاق باريس المجحف الذي فرض احتلالا اقتصاديا وجمارك عالية ومنع الاستيراد الرخيص، ومنح الأفضلية للسلع الإسرائيلية، ومنع عمليا استقلالية ولو نسبية للاقتصاد الفلسطيني. وقد اعترف وزير المالية الإسرائيلي عند التوقيع على اتفاق باريس، أبراهام (بايجا) شوحاط بأنه «جرت صياغة الاتفاق وفقا للمصالح الإسرائيلية بما منع من إنشاء اقتصاد فلسطيني مستقل، ولكن الفلسطينيين قبلوا بهذا الإرغام، والاتفاق عمل وما زال يعمل بشكل جيّد». وهكذا يعترف الوزير الإسرائيلي بأنه جرى تصميم الاتفاق بالمقاييس الإسرائيلية، وبأن الفلسطينيين قبلوا به حتى لو لم يعجبهم. على المنوال نفسه كتب الكولونيل احتياط أفرايم ليفيه، الذي كان أحد المسؤولين عن التنسيق مع السلطة الفلسطينية: «الاتفاق فُرض على الفلسطينيين، الذين أرادوا في الحقيقة اقتصادا مستقلّا. الاتفاق خلق تشوّهات في الاقتصاد الفلسطيني ما زالت قائمة حتى اليوم».

الشرط الاقتصادي هو شرط استعماري بالكامل، وله أبعاد سياسية كبرى، حيث تستغل إسرائيل سيطرتها الاقتصادية لابتزاز القيادة الفلسطينية. لقد آن الأوان للتحرر من الهيمنة الإسرائيلية في المجال الاقتصادي أيضا، الذي له تأثير كبير على حياة الناس ويمس معيشة كل فلسطيني وكل فلسطينية. كيف؟ في الحقيقة لا جواب عندي هنا، لكن يجب فتح هذا الموضوع المصيري للنقاش، خاصة أن الهيمنة الاقتصادية تؤدّي إلى إملاءات سياسية بالضرورة، وحرية القرار السياسي الفلسطيني تبدأ من الاقتصاد كما يبدو. وكل حريّة تبدأ بحرية القرار والإرادة.

التنسيق الأمني
من بين المصائب، التي جاء بها اتفاق أوسلو الالتزام بالتنسيق الأمني ومن طرف واحد تحديدا، فإسرائيل لا تلتزم بشيء. وبموجب هذا التنسيق على قوّات الأمن الفلسطينية منع ما يسمى «الإرهاب» ضد إسرائيل والإسرائيليين. وقد بدأ التنسيق بتسليم بعض المناطق والمدن من سلطة مباشرة للجيش الإسرائيلي، إلى إدارة أمنية فلسطينية، بشرط المحافظة على «أمن إسرائيل». وكان المنطق الذي حكم هذا الالتزام فلسطينيا هو السير نحو تسوية سياسية تضمن إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلّة، وجرى تسويق التنسيق الأمني على أنّه «شرّ لا بد منه» للوصول إلى بر أمان الاستقلال والتخلّص من الاحتلال، ولكن أين نحن من كل هذا اليوم؟ تغيّرت الظروف وبقي التنسيق. وفي ظل بعض حالات التوتّر اتخذت قرارات فلسطينية بوقف التنسيق الأمني، لكنّها كلّها لم تطبّق عمليا، حتى لو جرى الإعلان عنها رسميّا. وإذا كان هناك نقاش في الماضي على مبدأ التنسيق الأمني مع الاحتلال، وطرحت فيه فكرة أنّه ضروري للتوصّل إلى تسوية مقبولة، فعلام الإبقاء عليه الآن؟ والجميع يعرف ويقر بأنّه يستغل لتعميق الاحتلال لا للتخلّص منه، هو يستغل لتطويل عمر الاحتلال ونحن نريد تقصيره. لا منطق ولا مبرر ولا قبول بالحد الأدنى لبقاء التنسيق الأمني. المطلوب حقّا هو إلغاء التنسيق الأمني قولا وفعلا، والإعلان عن أن قوى الأمن الفلسطينية ستدافع عن المدن والقرى والمخيمات وتحميها من أي اعتداء، سواء من الجيش أو من المستوطنين. إذا أعلن هذا الموقف وخرج الى التنفيذ، فسيكون ذلك بداية استرجاع السلطة لشرعيتها وتأييدها في الشارع الفلسطيني، ومن دون ذلك ستكون ورطتها مع شعبها عويصة وصعبة.

الاستيطان
الخطيئة الكبرى لاتفاق أوسلو هي تأجيل موضوع الاستيطان والمستوطنات إلى مفاوضات الحل النهائي، بلا أي التزام بتفكيكيها ولا حتى بتجميد الاستيطان. هي الخطيئة الكبرى لسبب عملي وهو أن الانفلات الاستيطاني يعني تغيير الواقع جغرافيا وديموغرافيا، بما يمنع إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967. وفي الثلاثين عاما، التي مضت على اتفاق أوسلو تضاعف عدد المستوطنين خمس مرّات: من حوالي 100 ألف عام 1993 عند توقيع أوسلو إلى ما يقارب 500 ألف في عام 2023. هذا لا يشمل القدس والمستوطنات في القدس الشرقية، وتنوي الحكومة الإسرائيلية رفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى مليون ومع القدس مليون ونصف المليون. تفعيل النضال الشعبي ضد الاستيطان والمستوطنات هو واجب والتركيز على هذه القضية تحديدا يمنح القضية الفلسطينية زخما مجددا. ويمكن طرح اقتراحات كثيرة بهذا الاتجاه منها مثلا مسيرات جماهيرية سلمية ضخمة تفرض حصارا على مستوطنات وتُغلق مداخلها ومخارجها، وبالمقابل حملة دبلوماسية وسياسية دولية ضد الاستيطان، وكذلك استثمار المعارضة المتنامية للاستيطان داخل إسرائيل ذاتها، وهي ظاهرة تتوسّع على هامش المظاهرات الاحتجاجية.

ماذا نقول لاتفاق أوسلو في يوم ميلاده الثلاثين؟ نقول كفى، آن الأوان لتخرج إلى التقاعد.

سقوط حكومة نتانياهو لم يعد يهم الفلسطينيين .. فقد ترسمت إسرائيل كلها كدولة ابارتهايد


مدونة الاحرار : نقلا عن وكالة معا - الكاتب / د - ناصر اللحام رئيس تحرير وكالة معا - لو سقطت حكومة نتانياهو اليوم او بعد سنة لن يغير هذا في واقع الفلسطينيين شيئا . لان اية حكومة سوف تتشكل في دولة الاحتلال سيكون لها نفس الأدوار ونفس الجرائم التي تواصل ارتكابها ضد الأرض وضد الانسان في فلسطين بغض النظر عن شكل الحكومة .
هناك مهمة واحدة للأحزاب الصهيونية وهي تحطيم فرصة إقامة دولة فلسطينية غرب النهر الى جانب مهمة مواصلة حصار شعب كامل في قطاع غزة وتهويد القدس وتسمين المستوطنات العنصرية .
وهناك مهمة واحدة لدى التنظيمات الفلسطينية وهي منع إسرائيل من العيش بهدوء على هذه الأرض ونزع الامن منها وبأي شكل حتى تدرك ان كل ما فعلته لن يفيدها في أي شيء وانها سوف تخسر " دولتها " وتخسر كل ما عملت من اجله لأنها حطّمت للفلسطينيين دولتهم وأملهم في مستقبل افضل .
بالمختصر المفيد ان مهمة حكومات الاحتلال الان هو اظهار أسوا ما عندها تجاه الفلسطينيين لدفعهم نحو حقول اليأس والقنوط والتفكك واقبول أي شئ. وبالمقابل ومن باب رد الفعل الطبيعي شرع الفلسطينيون في اظهار اقوى ما عندهم تجاه إسرائيل ، لتحقيق ثلاثة اهداف : تدمير حلم إسرائيل وإعادة الإسرائيليين الى المربع القلق الوجودي الأول . وجعل حياتهم جحيما لا يطاق داخل الخط الأخضر وخارج الخط الأخضر . وتدمير صورة إسرائيل عالميا كنظام ابارتهايد شيطاني لا مكان له في هذا العالم .
من ضمن اهداف الإسرائيليين لا يوجد أي هدف يقضي بإسقاط نظام الحكم القائم في الضفة الغربية او القائم في قطاع غزة .
ولا يوجد كذلك أي اهتمام فلسطيني في غزة او في رام الله يدعو الى اسقاط حكومة نتانياهو . فالموضوع صار اكبر من هذا بكثير .
تحاول إسرائيل تضخيم قدرتها على التحكم بالإدارة الامريكية والتأثير على قرارها . وهذا طرح مبالغ فيه مؤخرا لان الإدارة الامريكية لم تعد تطيق النظام السياسي في إسرائيل وان كانت لا تزال توفر له الحماية اللازمة .
ويحاول الفلسطينيون تضخيم قوة تأثيرهم على القرار العالمي وقوة نفوذهم في تشكيل موقف عربي جديد يصدم تل ابيب ويفشل جميع محاولاتها .
إسرائيل وفلسطين كلاهما يقدران بمبالغة كبيرة دور العامل الذاتي . رغم انني أرى في العام الراهن ان العوامل الموضوعية صارت هي الأهم وهي الأكثر حسما في الملفات الإقليمية والدولية . وان العامل الذاتي يتراجع الى دور ثانوي امام تطورات العالم الراهن .
لدى الجميع رغبة كبيرة ان يكون العامل الذاتي هو الحاسم . غزة تعتقد ذلك ومثلها رام الله . تل ابيب تعتقد ذلك ومثلها كييف .
ولكن منذ سنوات تبدو العوامل اللاإرادية والموضوعية هي التي ستحسم كل شيء .

تحذير عبد الباري عطول لمحور المقاومة والحليف الروسي - السكّين الأمريكي الإسرائيلي وصل إلى العظم

عبد الباري عطوان

تحذير إلى الدولة السوريّة ومحور المُقاومة والحليف الروسي: السكّين الأمريكي الإسرائيلي وصل إلى العظم.. وإذا لم تتحرّكوا بسُرعةٍ ستخسرون كُلّ شيء وبهزيمةٍ مُذلّة.. وما يجري في “السويداء” و”شرق الفرات” يُثير الرّعب

نقلا عن موقع رأي اليوم - الكاتب رئيس التحرير : عبد الباري عطوان

سورية تقف حاليًّا أمام مُخطّطٍ أمريكيّ إسرائيليّ لتجديد، وتحديث، مُؤامرة التّفكيك، باستِخدام بعض أبناء الأقليّات التي قدّم “النظام” الكثير لحِمايتها، خاصّةً في جنوبها (السويداء)، أو في الشّمال الشّرقي، أيّ الأكراد في “شرق الفُرات”، ولهذا بات التصدّي لهذا المُخطّط حتميًّا ويجب أن يقع على عاتِقِ دُول محور المُقاومة وأذرعه العسكريّة، وليس عاتِقِ سورية وجيشها فقط، لأنّ الخطر يُهَدّد الجميع دُون استِثناء، وعليكم أن تتذكّروا أن سورية تُقاتل كحائطِ صَدٍّ عنكُم وبسببكُم.

لأن الولايات المتحدة وجميع عُملائها في سورية ودُول الجِوار لم يجدوا من يردعهم، زادوا من شراسَتهم، وتفرّدوا بالقُطر السوري، سواءً من خِلال الحِصار التجويعيّ القاتِل، أو من خِلال “أُكذوبة” إعادة سورية إلى الحُضْنِ العربيّ، والاحتِفال باستِقبال الرئيس بشار الأسد في بعضِ العواصِم العربيّة، حيث تبيّن أنها خطّة أمريكيّة مدروسة لبيع الوهم، وصرف الأنظار، وكسب الوقت لتنفيذِ هذا المُخطّط.

***

الجُوع لم يعد مقصورًا على بعض أهلِنا الدروز في السويداء، حتى يُدمّروا مُؤسّسات الدّولة، ويتمرّدون عليها، فكُلّ أبناء الشعب السوري باتُوا يُواجهون ظُروفًا معيشيّةً صعبةً أشدّ فتْكًا من نظيرتها في عِراق صدام حسين، حيث لا ماء، ولا كهرباء، ولا وقود، ولا خُبز، فاستِيلاء أمريكا على الثّروات النفطيّة والغازيّة والمَخزون الغِذائي الضّخم في شرق الفُرات، بتواطؤٍ مع قوّات سورية الديمقراطيّة “قسد” كان مدروسًا “لتثوير” الشعب السوري وفِئاته التي قاتَل أبناؤها أكثر من 12 عامًا للحِفاظِ على الدولة السوريّة ووِحدتها الترابيّة والوطنيّة، وللمُطالبة بإسقاط النّظام يَأسًا وإحباطًا وسَعيًا للخَلاص.

عِراق صدام حسين واجه المُخطّط التجويعيّ نفسه، ولكنّ المشهد السوري أكثر قساوةً، ففي السّنوات الأخيرة، جرى تخفيف الحِصار ولو جُزئيًّا على حواليّ 20 مِليون عِراقي، من خِلال منظومة “النفط مُقابل الغذاء”، وبعد ضُغوطٍ عالميّة مُتصاعدة، ولكن هذه الصّيغة لم تُطبّق على سورية ولن تُطبّق، لأنّ مُعظم الحُكومات العربيّة محكومة أمريكيًّا، وجرى الاستِيلاء على آبار الغاز والنفط وإحكام السّيطرة عليها، وسرقة مواردها، ومنْع وصول إمدادات الغذاء التي كانت تُغطّي حاجات الشعب السوري السنويّة بالكامِل، مع فائضٍ يكفي لأكثر من ثلاثِ سنوات.

فَشِلُوا في استِخدام الإسلام السّياسي المُسلّح، ومِئات المِليارات من الدّولارات في تقسيم سورية، وإسقاط النظام، والآن يلجأون إلى “الخطّة B”، أي إقامة مناطق حُكم ذاتي إداري وسياسي مُستقلّة في الأطراف السوريّة الثّلاث، السويداء ودرعا في الجنوب (كحائطِ صدٍّ عن “إسرائيل)”، وفي شِمال شرق سورية، بزعامةٍ كُرديّة، وشِمال غرب سورية برعايةٍ تركيّة.

هذه إدارات حُكم ذاتي مفروض بالقُوّة والتّجويع، مُرشّحة للتطوّر إلى دُولٍ مُستقلّة، بدَعمٍ من الولايات المتحدة وقوّاتها المُتمركزة في قواعدٍ خاصّة في شرق الفرات، حمايةً لإسرائيل وجبَهات دِفاعٍ عنها، ولا نستبعد أن نرى قواعد أمريكيّة مُماثلة في الجنوب السوري وفي السويداء ودرعا، لتكون مُوازية لنظيراتها على الأراضي الأردنيّة، و”التنف” قُرب المُثلّث الحُدودي السوري الأردني العِراقي، وتَعزِل دِمشق كُلّيًّا وجيشها عن جبهة الجُولان.

الاحتِجاجات التي انطلقت بقِيادة ومُشاركة “بعض” الجماعات الدرزيّة ذات الطّابع الانفِصالي، وأحرقت علم الدّولة، وأغلقت مُؤسّساتها تحت ذريعة تدهور الظّروف المعيشيّة والفساد، هي قمّة جبل الجليد للمُخطّط الأمريكي الإسرائيلي القديم المُتجدّد، وشهادة حق أُريد بِها باطل، والشّيء نفسه يُقال أيضًا عن ما يَحدُث في شرق دير الزور وريف إدلب وحلب.

انتِفاضة العشائر ورجالها الشّرفاء ضدّ القاعدة الأمريكيّة وجيش “قسد” الحامِي لها، جيّدة وإن جاءت مُتأخّرة، ولكنّها ليست كافية، ويجب أن يتم دعمها بالجيش السوري علانية، ومهما كان الثّمن، الصّمت على هذه المُؤامرات من خِلال اتّباع نظريّة “الصّبر الاستراتيجي” هو الذي أدّى إلى هذه النّتائج، وأعطى نتائج عكسيّة تمامًا.

أمريكا لا تعرف غير لغة القوّة، ولم تخرج من أفغانستان وفيتنام وأجزاء من العِراق بقذائفٍ من الورود، ونتمنّى أن تصل هذه الرّسالة الواضحة، والمُكرّرة إلى المعنيّين في سورية، فسورية التي نَعرِفها ونُحبّها، وأهلنا فيها مُهدّدةٌ بالضّياع.

***

للمرّة الثانية نقول إن مسؤوليّة إحباط هذا المُخطّط، ليست مسؤوليّة سورية وجيشها المُنهَك فقط، الذي دافع عن كرامة الأُمّة وتُرابها وهُويّتها أكثر من 12 عامًا مُتواصلة، وقدّم عشَرات آلاف الشّهداء، وإنّما كُل قِوى محور المُقاومة وأذرعها، وعلى رأسِها إيران، فسورية تدفع ثمن تحالفها مع إيران جُوعًا، وفقرًا، وتفكيكًا بسبب رفضها التخلّي عن تحالفها مع طِهران، والشّيء نفسه يُوجّه أيضًا إلى الحليف الروسي، الذي حمَت اقتِصاده برفضها مُرور الغاز القطري لأوروبا، الذي يَحرِمها، أيّ سورية، من الغِطاء الجوّي، والأسلحة والدّفاعات الجويّة التي تُمكّنها من التصدّي للغارات الإسرائيليّة المُهينة التي فاقَ عددها 300 غارة حتّى الآن، وتطوّرت إلى ضربِ غِلافِ العاصمةِ دِمشق، وتعطيل مطاراتها.

خِتامًا، نُطالب الشعب السوري الشّقيق أن يصمد وأن يتحمّل، ولكنّنا نُطالب أكثر السّلطات السوريّة، ومِحورها، وحُلفاءها أن يتحرّكوا أيضًا، وبسُرعة، لمُواجهة هذه المُؤامرة بكُلّ الطّرق والوسائل، وقبل فوات الأوان، وإذا كان لا بُدّ من الشّهادة، فيجب أن تكون في ميدان الشّرف والكرامة، وليس الموت جُوعًا وتفكّكًا وإذلالا.

لو وضعنا عشرة إسرائيليين في أجمل منتجع في العالم فانهم سيجعلونه أسوأ سجن في التاريخ

مدونة الاحرار : وكالة معا الفلسطينية -  الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

في قراءة عاجلة لتطورات المشهد في الضفة الغربية ، تتورط سلطات الاحتلال يوما بعد يوم في معركة استنزاف طويلة المدى مع خلايا الفدائيين والمقاتلين على بوابات مدن الضفة الغربية وقد تستمر لسبع سنوات أخرى .

هذه الانتفاضة مختلفة كليا عن الانتفاضات السابقة . فهي من دون رأس ولا يقودها تنظيم محدد ولا جهاز امني ولا زعيم سياسي . وان محاولة إسرائيل تحميل تنظيم الجهاد الإسلامي مسؤولية ما يحدث باءت بالفشل لان منفذي العمليات صاروا من حركة فتح .وان تحميل حركة حماس المسؤولية باءت بالفشل لان المنفذ قد يكون من نشطاء الجبهة الشعبية . وان تحميل جميع التنظيمات المسؤولية عما يحدث نظرية فاشلة لان المنفذ غاليا ما يكون مستقلا ولا ينتمي لاي تنظيم .

ان تحميل المخيمات المسؤولية معادلة غبية لان سكان المدن يشاركون بقوة في هذا الفعل . وان تحميل شمال الضفة المسؤولية قد يكون مختلفا تماما عن الفعل لان جنوب ووسط الضفة صار خط انتاج نشط للعمليات .

وكالعادة لا تملك إسرائيل أي حل سياسي . وان امتلكت أي توجه للحل السياسي فان مرضها المزمن ( امن إسرائيل ) سوف يبقى لعنة تطاردهم حتى نهاية التاريخ .

ولو ارسلنا عشرة إسرائيليين للعيش على أجمل جزيرة منتجع في اجمل مكان على سطح الأرض ، وطلبنا منهم العيش هناك ووفرنا لهم كل سبل السعادة . فانهم على الفور ومن خلال التربية السلوكية المريضة التي تلقوها سوف يحوّلون هذا المنتجع الى أسوأ مكان في العالم . في البداية سوف يطلبون لف المنتجع بالأسلاك الشائكة ومنع دخول الناس الا من خلال تصاريح امنية ، وبعد ذلك يحولون المنتجع الى مستوطنة عليها حراسة ببنادق طويلة واسلاك شائكة ثم يطلبون طرق خاصة بهم تضمن عزلهم عن باقي المصطافين ، وتعلمون بالتأكيد انهم سوف يطلبون طعاما خاصا ومختلفا عن طعام باقي سكان المنتجع ولأجل ذلك سوف يطالبون بتغيير الطباخين ومدراء الفنادق ، ولاحقا سوف يرفضون الشرطة السياحية في المنتجع ويطالبون بحراسة خاصة من الموساد . والموساد سوف يطلب من أمريكا غواصات نووية للحماية وطائرات مسيرة و.... الخ . انه مرض عقلي ذهاني لا علاج له وسرعان ما يتحول المنتجع الى أسوأ سجن ويتحول الى مشكلة لا يمكن تخيلها .

هذا ما فعلوه بالضفة الغربية . دمروا التوازن البيئي وشوّهوا الشواطئ الجميلة ، وبنوا جدارا عنصريا عزل القرى الاراضي ومنع التواصل الاجتماعي . قتلوا الحياة البرية وتسببوا في جفاف نهر الأردن و"موت" البحر الميت . حوّلوا الضفة الغربية من اجمل مكان في بلاد الشام الى كانتونات عنصرية ومعسكرات وحواجز جيش وقتل وتصاريح للتنقل من مكان الى مكان وتسببوا في الفقر وفي حرمان التلاميذ من المدارس ، وحرمان المؤمنين من الصلاة ودمّروا الزراعة والصناعة وشوّهوا السياحة وحولوا الغابات والمراعي الى منطق تدريب عسكري ....

إسرائيل لم تنجح في احتواء انتفاضة الضفة عسكريا ، ولم تنجح أمنيا . ومؤتمر العقبة فشل قبل ان يفشل مؤتمر شرم الشيخ .

ومع ذلك تقرأ ما تكتبه الصحافة العبرية وما يصدر عن وزراء وقادة الاحتلال . فتعلم فورا ان مشاكل إسرائيل كبيرة . وان اخطر مشكلة تواجه إسرائيل هي إسرائيل نفسها ، وهي العقلية الإسرائيلية المريضة .

المعادلة سهلة وبسيطة . المدن الفلسطينية لا تريد المستوطنين ولا تريد لدرويات الاحتلال ان تدخل وتقتل الشباب .ولكن الاحتلال قرر ان يعيّن نفسه مسؤولا عن حياة السكان ( وموت السكان ) داخل الضفة الغربية . فيرد الشباب والمقاتلين على العدوان بالمقاومة .

إسرائيل تتباهى بالسلاح وبالقوة وبالقسوة والتوحش وبالعنصرية . والمقاتلون في الضفة الغربية قرروا ان ينتقموا وان يكسروا انف العنصرية والابارتهايد . ولو تطلب الامر سنوات وسنوات قادمة .

"العلاقات الأميركيّة الإسرائيليّة في أبرد حالاتها منذ 75 عامًا"

مدونة الاحرار : ترجمة موقع عرب48 - كانت الولايات المتّحدة أقرب حليف لإسرائيل طوال معظم تاريخها الممتدّ منذ 75 عامًا، واستخدمت حقّ النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة لصالحها، واستعدّت على الدوام لتشجيع التعاون العسكريّ، بالإضافة إلى تقديم الكثير من المساعدات المباشرة. إلّا أنّ هذه العلاقة أصبحت متوتّرة للغاية في الوقت الحاضر، ويرجع ذلك في الأساس إلى تصميم حكومة نتنياهو على الحدّ من سلطة السلطة القضائيّة، وخاصّة المحكمة العليا، لصالح المزيد من السلطة للكنيست.

وكما قالت مجلّة تايم مؤخّرًا: "كثيرة هي الأمور الّتي لا تعجب بايدن". شكّل نتنياهو، منذ عودته إلى السلطة، ائتلافًا يمينيًّا متشدّدًا مليئًا بأصوات المحافظين المتشدّدين والأصوات الأرثوذكسيّة المتطرّفة، والّذين لقد تحرّكوا بسرعة لتوسيع الوجود الاستيطانيّ الإسرائيليّ في الضفّة الغربيّة، والاستيلاء على الأراضي الّتي يعتبرها الفلسطينيّون ملكًا لهم، ما يحيل فكرة نشوء دولة مستقلّة هناك مستحيلة على الإطلاق.

وتتجاوز مخاوف البيت الأبيض عدم الاستقرار الداخليّ الحاليّ في إسرائيل، حتّى مع الاحتجاجات العامّة الأسبوعيّة الحاشدة ضدّ التغييرات القضائيّة الّتي حذّر الرئيس الأميركيّ جو بايدن الحكومة الإسرائيليّة من اتّباعها. وتتعلّق أيضًا بأمن الضفّة الغربيّة المحتلّة، حيث تزايدت أعمال العنف بشكل واضح على مدى العامين الماضيين، ويرجع ذلك أساسًا إلى أعداد أكبر من المستوطنين اليهود ذوي القناعات الدينيّة العميقة، ويبلغ عددهم الآن أكثر من نصف مليون في جميع أنحاء الضفّة الغربيّة، ويرى كثيرون منهم أنّها "أرضهم الّتي وهبها اللّه لهم".

يواجه السكّان الفلسطينيّون الحاليّون في الوقت نفسه المزيد من القيود مع سيطرة القوّات الإسرائيليّة على الأمن. ويواصل المستوطنون المتطرّفون مضايقة وتعطيل حياة الفلسطينيّين، بما في ذلك تزايد الهجمات على القرويّين. وتقف قوّات الأمن الإسرائيليّة في كثير من الأحيان موقف المتفرّج حتّى في مواجهة العنف المباشر.

نادرًا ما تقول إدارة بايدن الكثير، ولكن حدث تغيير في موقفها العامّ، وهو ما ظهر في الاحتفال الأخير بالذكرى السنويّة الخامسة والسبعين لقيام إسرائيل. دعي الرئيس المعتدل نسبيًّا، وإن كان شرفيًّا إلى حدّ كبير، إسحاق هرتسوغ، إلى واشنطن لإلقاء خطاب أمام الكونغرس الأميركيّ في يوليو/تمّوز، وليس رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

"الإرهاب" في الضفّة الغربيّة

أكثر ما ركّز عليها مؤخّرًا هو استخدام وزارة الخارجيّة لمصطلح "الإرهاب" ضدّ إسرائيل ردًّا على مقتل الشابّ الفلسطينيّ قصّي جمال معطان، البالغ من العمر 19 عامًا، بالقرب من رام اللّه على يد المستوطنين في 4 آب/أغسطس. وحاول وزير الزراعة الإسرائيليّ، آڨي ديختر، رفض ذلك باعتباره تعليقًا مضلّلًا، إلّا أنّ وزارة الخارجيّة أكّدت الاستخدام المحدّد لهذا المصطلح.

وتكمن وراء كلّ هذا مشكلة كبيرة يواجهها الإسرائيليّون في تأمين الضفّة الغربيّة للمستوطنين اليهود. ومع اعتماد حكومة نتنياهو لسياسة دعم السياسيّين المتشدّدين والقوميّين إيديولوجيًا في الكنيست، فلا بدّ من منح المستوطنين كلّ الحماية الّتي يحتاجون إليها، لكنّ قوّات الدفاع الإسرائيليّة متردّدة بشدّة في احتلال مناطق صغيرة من الأراضي بسبب المعارضة الحازمة الّتي قد تواجهها من حركة الجهاد الإسلاميّ الفلسطينيّة وغيرها من الجماعات شبه العسكريّة.

تعلّم جيش الدفاع الإسرائيليّ على مدى العقدين الماضيين الطريقة الصعبة للقيام بكلّ ما في وسعه لتجنّب أن تكون قوّات الخطوط الأماميّة على اتّصال قريب مع السكّان الفلسطينيّين لأيّ فترة من الزمن. وفي حدث نادر وقع في 3 يوليو/تمّوز، اقتحم جيش الدفاع الإسرائيليّ مخيّم اللاجئين الفلسطينيّين في جنين، وهو منطقة مكتظّة تضمّ 17 ألف شخص محشورين في بضعة شوارع وأزقّة. وشمل ذلك قوّة بحجم لواء تضمّ أكثر من 1000 جنديّ من قوّات النخبة، يدعمها عملاء استخبارات الشابّاك، وشرطة حدود ماغاف، وطائرات مسلّحة بدون طيّار، وطائرات هليكوبتر حربيّة، وناقلات جنود مدرّعة، وجرّافات مدرّعة.

كثّفت عمليّة تمشيط المعسكر بحثًا عن ورش إنتاج العبوّات الناسفة وغيرها من المواقع شبه العسكريّة المرتبطة بالجهاد الإسلاميّ في فلسطين في 48 ساعة فقط، وقتل خلال هذه العمليّة 13 فلسطينيًّا وجنديّ إسرائيليّ واحد، واعتقل العشرات من الفلسطينيّين.

وقد شنّت هذه الغارة، على الأرجح، ردًّا على كمّين منظّم بعناية نصبه الجهاد الإسلاميّ لدوريّة تابعة للجيش الإسرائيليّ بالقرب من جنين في حزيران/يونيو، وتضرّرت حينها خمس ناقلات جند مدرّعة، وتطلّبت عمليّة الإنقاذ اللاحقة الّتي قام بها جيش الدفاع الإسرائيليّ قوّة برّيّة كبيرة مدعومة بمروحيّات أباتشي AH-64 وباستخدام صواريخ جوّ-أرض واستغرقت تسع ساعات لتكتمل.

الأمن والمستوطنون

لماذا توجد مثل هذه المشكلة؟ توصّل معظم المحلّلين إلى أنّ إسرائيل لديها ما يكفي من القوّات اللازمة لضمان أمنها، سواء في جنوب لبنان، أو غزّة، أو الضفّة الغربيّة. يعود السبب إلى أكثر من عقدين من الزمن، حيث اكتشف جيش الدفاع الإسرائيليّ أنّه، أوّلًا في جنوب لبنان ومن ثمّ في غزّة بشكل خاصّ، أنّ قوّاته البرّيّة تتكبّد خسائر فادحة بشكل غير مقبول حين تواجه معارضين شبه عسكريّين متحمّسين ومدرّبين تدريبًا جيّدًا يقاتلون على أرضهم.

وكانت أكبر عمليّة للجيش الإسرائيليّ في غزّة في السنوات الأخيرة هي عمليّة الجرف الصامد الّتي استمرّت سبعة أسابيع في عام 2014 لقمع إطلاق الصواريخ على إسرائيل وتدمير المنشآت تحت الأرض. قاد لواء النخبة جولاني الطريق، لكنّه تكبّد خسائر فادحة حيث قتل 13 شخصًا وجرح 50 في اليوم الأوّل وحده.

وبلغ عدد القتلى من جنود الجيش الإسرائيليّ خلال الأسابيع السبعة 64، وأصيب 469. وكانت هذه الأرقام ضئيلة مقارنة بمقتل أكثر من 2000 فلسطينيّ وجرح حوالي 10000 آخرين، معظمهم من المدنيّين، ولكنّها لا تزال مرتفعة بشكل غير مقبول بالنسبة للإسرائيليّين. ولذلك اختارت إسرائيل منذ ذلك الحين الحرب عن بعد باستخدام الصواريخ والقنابل والمدفعيّة إلى جانب التقنيّات المضادّة للصواريخ وغارات الاغتيال الانتقائيّة الّتي تشنّها القوّات الخاصّة.
وكان من السهل نسبيًّا السيطرة على الضفّة الغربيّة قبل التوسّع في المستوطنات اليهوديّة، وإن كان ذلك صعبًا للغاية بالنسبة للفلسطينيّين. ويعيش العديد من المستوطنين بالقرب من البلدات والقرى الفلسطينيّة ويحصلون على الحماية من الحكومة الإسرائيليّة الّتي تسيطر عليها أحزاب يمينيّة متطرّفة متعاطفة مع حركة الاستيطان.

لقد كان هذا هو التغيّر في السياسة الإسرائيليّة، حتّى لو تراجعت السيطرة البرلمانيّة عن أمثال نتنياهو، فإنّ ذلك لن ينهي المشكلة. سيبقى المستوطنون، وهم مسلّحون بشكل جيّد ومقتنعون تمامًا بأنّهم على حقّ. لقد أطلق نتنياهو واليمين الدينيّ العنان لقوّة جديدة، وربّما يدرك البعض في إدارة بايدن تداعيات ذلك ولا يحبّون ما يرونه.

* نُشر هذا المقال في موقع "ذا كونفرزيشن"

قراءة في عقيدة نتنياهو الأمنية.. إسقاط الحسم

 يبدو أن التطورات الميدانية والمعارك القوية، التي خاضتها المقاومة الفلسطينية، إلى جانب تعاظم قوة محور المقاومة خلال الأعوام الماضية، دفعت القيادة السياسية في "دولة" الاحتلال إلى تغيير العقيدة الأمنية الخاصة بها. فبعد أن تنازلت عن مبدأ "الانتصار في المعركة" يتنازل نتنياهو، في وثيقة جديدة، عن مبدأ "الحسم".

فعلي عكس خطة "جدعون"، التي وضعها غادي آيزنكوت، رئيس هيئة الأركان السابق، وخطة "تنوفا"، التي وضعها أفيف كوخافي، رئيس الأركان الأسبق، فإن خطة "رياح الجنوب"، والتي تهدف إلى تحقيق الحسم العسكري في الحرب ضد حماس والفصائل في قطاع غزة، تنازل نتنياهو فيها عن أهمية "الحسم في المعركة" على عكس الخطط السابقة.

بصورة عامة، فإن استراتيجية ممارسة القوة لجيش الاحتلال تعتمد عدداً من المبادئ، هي: الردع، والإنذار، والدفاع، والحسم، والانتصار. ونتيجة للمتغيرات في العقد الأخير، تم حذف مبدأ الحسم أو إسقاطه، وتغيير مفهوم الانتصار، بينما جاء نتنياهو هذه المرة ليضع "المجتمع" الإسرائيلي و"الجيش" أمام حقيقة، مفادها أنه لا يوجد شيء اسمه حسم. فلا القوة الهائلة، ولا السرعة في تنفيذ العمليات العسكرية، ولا تكبيد العدو أكبر قدر من الخسائر في الأرواح والمقدرات، قادرة على تنفيذ هذا الحسم.

وبحسب الوثيقة، التي وضعها نتنياهو بعنوان "المفهوم الأمني لعام 2030"، فإنَّ على "إسرائيل" أن "تردع أي عدو يهدد باستهدافنا بصورة قاتلة، أو القضاء علينا"، وعليها تنفيذ ذلك من خلال "أربعة عناصر قوة، هي: الأمنية، الاقتصادية، السياسية، والأهم من جميعها قوة روحانية".

جاءت الوثيقة، التي أطلقها نتنياهو، محاولة لإسكات الأصوات التي انتقدته والجيش خلال الأعوام الماضية لأنهما لا ينتصران، ولأنهما، في الغالب، يخرجان من المعارك والحروب بالتعادل الأقرب إلى الخسارة، وخصوصاً أن كل العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتحديداً ضد قطاع غزة، اضطر الاحتلال إلى إيقافها من دون حسم واضح أو تغيير استراتيجي.

عقيدة نتنياهو تروّج المعقولية في التفكير الإسرائيلي بعيداً عن الضغوط والحساسية العالية تجاه نتائج المعارك، إذ دلل نتنياهو على ذلك بالقول: "عندما لا يكلفنا عدم حسم المعركة ثمناً غير باهظ، في الإمكان إنهاؤها من دون حسم قاطع"، أو أنه "في المواجهات التي فيها الإنجاز السياسي المطلوب لا يلزم بحسم العدو، فإنه في حالة كهذه نلائم رداً محدوداً".

من ناحية أخرى، يسعى نتنياهو لاسترضاء "الجيش" وقيادته العسكرية، التي تعمدت نشر استراتيجيتها منذ عام 2015 كي لا تتحمل مسؤولية الفشل في المعارك العسكرية، بحيث يقول نتنياهو، من خلال استراتيجيته الأمنية، إنه ليس من حق أحد انتقاد الجيش إذا لم يحسم المعركة، لأن المستوى السياسي لم يعد يطلب إليه ذلك، بصورة صريحة. 

في المقابل، يضع نتنياهو لغماً أمام القيادة العسكرية للجيش يعيد تحميلها المسؤولية عن تطور قدرات أعداء "إسرائيل" في الأوقات الطبيعية وفي المعارك، ويحملهم بصورة مسبّقة مسؤولية عدم حماية الجبهة الداخلية في الحروب، إذ جاء في الوثيقة أن "على الجيش الإسرائيلي أن يتغلب على القوة العسكرية للعدو بصورة قاطعة وعلى نحو سريع، من أجل إخراج الجبهة الداخلية من حيز الاستهداف، ومنع العدو من تحقيق إنجازات مهمة، مثل احتلال بلدات حدودية. والتغلب على العدو يتحقق عندما تُسلب رغبته في مواصلة القتال، وعندما تتضرر قدرته على الصمود بصورة كبيرة. وهكذا سنُبعَد الحرب المقبلة".

علاوة على ذلك، فإن نتنياهو يعيد صياغة مفهوم الجيش بشأن "المعركة بين الحروب"، بسبب تراجع دورها في تحقيق النصر السريع للجيش في الحروب الكبرى، إذ تحدث نتنياهو عن مواجهة وصول المقاومة إلى سقف من القوة لا يمكن تقويضه، إذ قال "إننا بين الحروب نعمل من أجل استهداف خطوات أعدائنا في بناء القوة تحت سقف الحرب. ولن نسمح بأن يتجاوز تعاظم قوة أعدائنا سقفا لا يمكن تقويضه، أو في حال وجود إنذار بشأن مفاجأة استراتيجية"، وتم شطب كلمات "سننفذ ضربة استباقية".

يتناقض المفهوم الجديد لنتنياهو مع تعريف مفهوم "المعارك بين الحروب" والتي تُعرّف بحسب وثيقة استراتيجية الجيش، عام 2015، بأنها شنّ حملات عسكرية محدودة جداً، هدفها توفير أطول فترة هدوء ممكنة عبر إضعاف "عناصر القوّة السلبية" لدى الخصوم، ومنعهم ولو بالقوّة، من تطوير قدراتهم كي لا يستطيعوا "كسر موازين القوّة"، وتوفير الظروف لتحقيق "دولة" الاحتلال "النصر السريع" في حال دخلت أي حرب مستقبلاً.

المفهوم الجديد لدى نتنياهو جاء نتيجة لفشل مفهوم المعركة بين الحروب، بعد أن لم ينجح هذا المعيار في تحقيق هدفه المطلوب على مدى الأعوام الماضية، إذ استطاعت أطراف المقاومة تجاوزه ومراكمة القوة كمّاً ونوعاً، وباتت اليوم تمثل، عبر تكتلها ضمن حرب متعددة الجبهات، خطراً وجودياً ثانياً، إلى جوار الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي نقطة أخرى، على عكس جميع الخطط السابقة، التي تتناول العقيدة الإسرائيلية، تحدث نتنياهو عن التحالف الخارجي والحلف الاستراتيجي الأخلاقي مع الولايات المتحدة كبعد جديد في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، مشدداً على أن واشنطن ستقدّم مساعدات إلى "دولة" الاحتلال خلال الحرب، لكنه استدرك كي لا يقع في حرج داخلي، بالقول إنه "على رغم ذلك، فإن علينا أن نكون مستعدين للدفاع عن أنفسنا بقوتنا الذاتية".

إنَّ الوثيقة الاستراتيجية الأمنية لنتنياهو تؤكد أنه لا معنى لأي تصريحات من المسؤولين الإسرائيليين، سواء كانوا سياسيين أو عسكريين، خلال الحروب والمعارك بشأن انتصارات عسكرية، أو قدرة إسرائيلية على حسم المعركة بذاتها، إذ إن المستويين السياسي والعسكري تخلّيا عن مبدأ الحسم، ويصب كل منهما جهده في المحافظة على بقاء "دولة" الاحتلال خلال المستقبل المنظور

حنين زعبي - العقد الذي لا يُخَلّ... في انتظار تل أبيب أم في انتظار الطيرة؟

لقد خرجت تل أبيب تمردا ضد الخروج من معادلة (التناقض) بين يهودية الدولة وديمقراطيتها. خرجت ضد الوصول لأفق مسدود لهذا الكيان المستحيل. لم تخرج للتغيير، بل خرجت للتمترس في معادلة التناقض هذه، معادلة الاستعمار الديمقراطي.
مدونة الاحرار : موقع عرب48 - الكاتبة حنين زعبي - يعتقد هذا المقال، أنه في الوقت الذي يُطرح ابتعاد واغتراب الفلسطينيين في الداخل عن الاحتجاجات الإسرائيلية كحسّ سياسي ووجودي صائب، يحتاج ابتعاد خطابهم وأجندتهم السياسية عن التغييرات الجدية التي تحدث في المجتمع الإسرائيلي، وفي علاقته بدولته إلى تفسير. أما الرد البديهي والصحيح أن الداخل بالعموم –عموم دوائره السياسية وعموم حالته المجتمعية– لا يحمل أجندة سياسية جدية، ولا يعيش واقعه كحالة سياسية، إنما كحالة مطلبية يومية (الدرجة الأولى وفق سلم ماسلو للاحتياجات)، فهو رد صحيح جزئيا وغير صحيح في معظمه. الداخل له اهتمام وموقف وتصريحات وأيام دراسية وندوات ومقالات، تحت عنوان واحد على الأغلب: الخوف من اليمين/ تصاعد اليمين المتطرف.

إن حقيقة أن القسم الأقل تعرضا لعنف المشروع الصهيوني –الداخل– هو ذلك الذي يخاف من تصاعد اليمين أكثر من غيره من الفلسطينيين، وهو ذلك الذي يتجاهل ويخرج نفسه من تغييرات تجري في الدولاتية اليهودية، هو ما يحتاج إلى تفسير. قد نقول إن الداخل يضع كل ما يجري في إطار النزاع على السلطة وعلى قيادة الدولة العبرية، الأمر الذي يبعده عن التعاطي ليس فقط مع الاحتجاجات بل أيضا مع التغييرات العميقة التي تعكسها وترافقها في المجتمع الإسرائيلي وفي الدولة نفسها، فهو بالذات ما يحتاج إلى تفسير، استمرار حالة الشلل السياسي ضمن ظروف متغيرة وفرص مواتية قد تكون إستراتيجية تتعلق على الأغلب بأسباب لا تفسرها حالة الشلل التقليدية. فما يجري في الدولة العبرية بعيد كل البعد عن أن يكون لعبة إسرائيلية داخلية، لأنه يجري في عمق قوة الدولة وتماسكها والتزام فئاتها ومؤسساتها بأدوارها المعهودة. لا نستطيع حصر هذه التغييرات في ملامح الدولة وملامح من يقودها، وإذا اتفقنا على أن قوة ونجاح المشروع العدائي (من ناحية من يرونه استعمارا، وحتى من ناحية من يرونه تمييزا) يعتمد على دولة ناجحة، لكي تحمله وتنفذه وتشرعنه، فلا يمكن التعاطي مع مؤشرات الاستئناف على مكامن قوة الدولاتية، ألا تعتبر شأنا فلسطينيا.
يعتقد هذا المقال أن الخوف من اليمين ليس هو فقط المحرك الأساسي للشلل الحاصل، فتصاعد اليمين يغلب عليه الآن صراع منهك هو عنوان المرحلة، هنالك منطق للاعتقاد بأن ما يحكم السلوك السياسي المهيمن في الداخل، هو الخوف على الدولة، هنالك دولاتيون فلسطينيون أيضا... أولئك الذين يتبنون الـ"مملختيوت" الإسرائيلية. يتصرف "الدولاتيون" الفلسطينيون تماما كما يتصرف الدولاتيون الإسرائيليون، إنهم يخافون على الدولة ويتبنون منطلقاتها "الرسمية". بالنسبة لهم المبادئ القضائية لأهرون باراك هي ليست لحظة زائفة واستثنائية في تاريخ المستعمرة، لحظة أرادت بالقوة أن تكون بداية جديدة دون أن تحمل مقومات البداية الحقيقية (وهذا ليس موضوعنا مع أهميته في فهم اللحظة الكولنيالية). إنهم يخافون على الدولة الليبرالية من التفتت ومن الانهيارات ومن الفشل، حتى لو لم يحمل هذا الفشل نجاحا للدولة اليمينية القادمة، فاللعبة بينهما ليست بالضرورة لعبة صفرية، وهي بكل تأكيد ليست لعبة صفرية لصاحب الوطن المنتَهَك.

لا يريد المقال أن يستأنف على التخوفات من صعود اليمين المتطرف، لكنه يطرح خطابا يراه سائدا يحمل بالإضافة إلى هذا التخوف، خوفا على الدولة، ويبدي حماسا لانتصار كابلان... إنه الخوف الإسرائيلي ذاته على "إسرائيل التي نعرفها".

هذه الفئة لا تقتصر على الذين يدعون للمظاهرات بشكل حماسي، فهؤلاء موقعهم وموقفهم واضح. أنا أقصد تلك الفئة التي تنظر لعدم الخروج للتظاهر ولا ترى نفسها جزءا من الاحتجاجات، لكنها في الوقت نفسه، تأْمل انتصار تل أبيب. يتضح أن الذهنية الفلسطينية المغتربة عن الاحتجاجات غير مغتربة عن الدولة، بل بالعكس، قد يغطي موقف الاغتراب عن أجندة الاحتجاجات على "حرص" مؤسرَل. أما من يريد التحرر من حالة سلب ودونية متواصلة، ومتجددة ومتصاعدة، فيبحث عن انتصار على الدولة، بمعنى أنه يبحث عن دولاتية منهكة وفاشلة.

بالتالي، ربما من الأفضل لكي نفهم المواقف الفلسطينية المختلفة من الاحتجاجات، ألا نطرح سؤال المشاركة فيها، بل أن نطرح سؤال السيناريو المفضل لها فلسطينيا.

هذا الخوف على الدولاتية (لا أدري لماذا أفضلها على تعبير الدولة)، برأيي، هو ما يساهم في إبعاد الفلسطينيين في الداخل عن المساهمة الحقيقية في اللحظة الراهنة، حيث يرتبط تفضيل سيناريو الدولة الليبرالية القوية (انتصار تل أبيب) بالقناعة بمشروع إصلاحي وبتوسيع الديمقراطية، بينما يرتبط سيناريو تفضيل "الدولة الفاشلة" بمشروع تفكيكي تحرري جذري. بالتالي، يعتقد هذا المقال أن جزءا كبيرا من فشل تحول هذه المحطة لمحطة حراك سياسي فلسطيني، يكمن في هذه النقطة تحديدا: عدم الاغتراب عن الدولة وعدم القناعة الجامعة أن تعميق الاضطرابات والاهتزازات وتحدي كابلان - تل أبيب، والخروج ضدها بشكل عيني، وإعلاء خطاب المخاوف من الدولاتية القوية لليبراليين، هي فرصتنا لتغيير أعمق. لسان حال الذهنية السائدة لدينا حتى لمن لا تروق له المشاركة في الاحتجاجات كما هي؛ "هذا ليس وقت التغييرات الكبرى، هذا ليس وقت العلم الفلسطيني".

لم تكشف إذن لحظة انهيار مسلمات الليبراليين أنفسهم، لحظة الارتباك النادرة لشعار "يهودية وديمقراطية"، أقول، لم تكشف عن مصلحة فلسطينية. لقد غلب هذه اللحظة النادرة من التفكيك وانهيار المسلمات، إصرار ذهنية فلسطينية متحكمة على إبقاء الفلسطينيين في الداخل ضمن حالة غير سياسية، إبقاءهم خارج البديل الحقيقي. إنها حالة تصرّ على ألا "تنزلق" إلى وضعية التمرد والعصيان على قواعد اللعبة، حتى في عز طغيان تمرد المشهد الإسرائيلي على نفسه، إنها حالة تسمح لنفسها بالانبهار من عنفوان وعناد الليبرالي الإسرائيلي وثقته في قدرته على التنكر لمكامن قوته القديمة، وفي الوقت نفسه، الالتزام بعدم التقليد، ذلك إعجاب لا نستحق أن نكون فيه. إنها حالة تُعجب بالتمرد والعصيان، لكنها لا تُعجب بنفسها عندما تتمرد وتعصي. وإذا كان الليبراليون الإسرائيليون يخرجون للشوارع ويطعنون بقرات مقدسة، بسبب عقد دستوري وهوياتي تم برأيهم خرقه من قبل الدولة، فإن البند الوحيد في العقد الذي أبرم بين الوكالة السياسية المهيمنة في الداخل منذ ما بعد يوم الأرض وبين الدولة، هي ألا يخرج فلسطينيو الداخل عن طوع "الدولاتية". إن ما يفعله ليبراليو تل أبيب، هو تماما ما أقسمت ذهنية الداخل ألا تفعله بالدولة. نحن الطرف الوحيد الذي عاهدناها بعقد من جانب واحد، أقوى من الخرق. من المنطق أن تبدو ذهنية "إنقاذ إسرائيل من نفسها" لكي ننجو معها من اليمين، آخر ما يريده من يبحث عن بديل حقيقي فعلا. من يبحث عن بديل حقيقي يبحث أيضا عن مواقع الضعف لدى خصمه، من يواجه مشروعا استعماريا يبحث عن مواقع الكلفة، من يتكلم في "التحرر"، أو حتى في الديمقراطية البديلة، كفلسطيني، يبحث عن مواقع التفكك والانهيارات وإعادة البناء. النفور من الخطاب الرغبوي الغيبي حول "انهيار" إسرائيل، لا يعني الاستخفاف بمؤشرات غير مسبوقة لتصدعات واهتزازات تفتح المجال على بدائل حقيقية، لا يعني عدم تتبع هادف لادعاءات الانخفاض في جهوزية الجيش وقوة الاقتصاد وتماسك المؤسساتية وتماسك المجتمع وثبات الشرعيات المختلفة "للدولة المعجزة"، نحن نتابع ذلك كمعلومات عامة نستعملها كمحللين محايدين، وليس كمستفيدين أو كمنتهزي فرصة، وكأن ما يهتز أمامنا ليس نفسه الذي كنا نعاني من ثباته واستقراره وقوته.

لندع تل أبيب تشبع إنهاكا

هذا المقال يعتقد أن الانهيارات المشار إليها في تصريحات وتقديرات الإسرائيليين رائعة (لنضع جانبا أنها غير صحيحة في مقاييسها الموضوعية حول الاقتصاد وجهوزية الجيش مثلا، لكن هذا موضوع لمقال آخر). خروج "الدولة المعجزة" عن نقاط تماسكها، وتفككات الجيش والمجتمع، وخروج الأخير من دائرة طمأنينيته وثقته وعنجهيته، هو أمر رائع حقا. أما الكراهية النبيلة للدولاتية الإسرائيلية ولعجرفة ليبرالييها وسمو صورتهم عن أنفسهم، فهي لا تشير فقط إلى منطق سياسي ينص على العلاقة بين دولاتية (دولة ومجتمع والعلاقة بينهما) قوية وراسخة و"شاعرية"، وبين مشروع تطهيري ناجع ومستمر وقابل إلى تغذية وتحصين وتطبيع نفسه باستمرار، بل تشير أيضا للعلاقة بين الكلفة وبين المراجعة الحقيقية. بالتالي فإن الدعوة لتمدد لحظة "التخريب الإستراتيجي" كما سُميت في "هآرتس"، قدر الإمكان، ليست فعل تشفٍّ –على إنسانيته– بل حسابا سياسيا يرى ضرورة الخسارات الفعلية والوهن المجتمعي والدولاتي كمناخ يستدعي أو يحتمل مراجعات حقيقية، لأن المراجعات لن تقوم على قناعات أخلاقية، بل على كلفة سياسية ومجتمعية وحياتية. يتطلب ذلك تمترس وعناد الطرفين، وميزان الرعب بين القوة الديمغرافية لليمين والقوة الدولاتية لليبراليين، الأمر الذي يمكن ابتعاد التفاهم واستبعاد احتمال الانتصار الكامل لطرف على آخر... وإذا كان لا بد من اتفاق أو حسم، فليكن إما اتفاقا على مضض أو غبن، يؤجل عودة تأجُّج الخلاف، أو انتصارا يحمل بذور الانتقام القادم.

هناك حاجة لكي تفعل "الريفورما" مفاعيلها في العجرفة والثقة بالنفس، والشعور باستحقاق الامتيازات، وباستحقاق الوصاية على أولئك الذين يسحقونهم بامتيازاتهم... هناك حاجة لإصلاح "تعالي" الدمار والعمى الأخلاقيين اللذين ترمز لهما غابة أعلام تل أبيب... لا زوجة طبيب في عمى تل أبيب.

لكن ما نراه الآن في معظمه هو استمرار للعجرفة؛ غابة الأعلام هي غابة من العجرفة ومن مقولة "نحن على حق". إنها أشبه بساعي بريد نيرودا، وهو يريد أن يخلق نسخة منه لكي يطبطب على أكتافه، مبديا إعجابه بنفسه.

لقد خرجت تل أبيب تمردا ضد الخروج من معادلة (التناقض) بين يهودية الدولة وديمقراطيتها. خرجت ضد الوصول لأفق مسدود لهذا الكيان المستحيل. لم تخرج للتغيير، بل خرجت للتمترس في معادلة التناقض هذه، معادلة الاستعمار الديمقراطي. خرجت لمد سر ثبات الكولونيالية بكميات متواصلة من الأكسجين.

الطيرة وليس تل أبيب

ربما كان رد بلدية الطيرة المثال الأول لما يمكن أن يسمى تمردا أو عصيانا، خارج حالة الهبات الشعبية للداخل، وهذه فرصتنا ليس فقط أن يخرج التهديد بعدم تمديد عمل محطة الشرطة، لحيز التنفيذ، بل أن يتم تبني وتعميم هذا النموذج، وحبذا لو أخذت المتابعة دورا أكثر جدية. حبذا لو أخرجتها بعض الهزات عن تقليدها المتأمل، هناك ما يكفي من ظروف موضوعية لكي تتواصل المتابعة مع المرحلة، لكي تكون واقعية، الواقع الآن ثائر ومتخبط، لماذا لا نكون واقعيين مثله؟ الواقعية الآن هي التواصل مع المرحلة في فعل سياسي غير روتيني، لنقلد تل أبيب فيما البعض ينتظرها، بالإعلان عن شكل من أشكال العصيان مثلا، رفض دفع الضرائب، إطلاق شعار يتعلق بالمواطنة الكولونيالية، أو حملات دولية لمقاطعة إسرائيل وكشف عدم قدرة أي نوع من الدولاتية على التنصل من اليمين، وعدم قدرة اليمين على التطور والسيطرة والحياة دون مراكز القوة الدولاتية الليبرالية. لنفكر جديا أن نشرح للعالم ولأنفسنا –ربما أهم- بأنه لا قابلية للحياة للمشروع الاستعماري اليميني دون دولة الهايتك وأمة الستارت آب، وأن دولاتية يمينية دون اتفاق وتعاون ومساهمة مراكز القوى الليبرالية هي دولاتية فاشلة.

نحن الذين علينا أن نفهم، قبل أن يفهم العالم، ضرورة التقاط لحظة الدولة المستحيلة، ضرورة تحويل ثقة "اليهودية وديمقراطية" إلى واقع يعترف أنه مستحيل...

نحن لا نريد لتل أبيب أن تنتصر... لأنها ستنتصر بالأساس في هذا...

وتل أبيب لا تنتظرنا... فهي ليست الحل... "ليس بمقدور المشاكل العميقة أن تتحول إلى حلول".

أن ما تقوضه المرحلة وليس ما تبنيه، هي ما علينا أن نؤسس عليه.

السؤال الآن: نحن مع من؟ مع تل أبيب أم مع الطيرة؟

لماذا لا نبدأ من اللحظة التي قدمتها لنا الطيرة إذن؟

"أمريكا وإسرائيل تتلاعبان بعقول العرب".. أول رد من مصر على "البقرة الحمراء"!

مدونة الاحرار : علق وكيل وزارة الأوقاف الأسبق والباحث والكاتب الإسلامي سعد الفقي، على إعلان ظهور ما يسمي بـ"البقرة الحمراء" التي أثارت جدلا واسعا الفترة الأخيرة في إسرائيل.

وأوضح الفقي في تصريحات لـRT: "أن هذه الخزعبلات والطقوس الكاذبة التي يؤمن بها اليهود الصهاينة هي تخرصات يروجون لها بين الحين والأخر ويدعون الأخرين إلى التصديق بها والترويج لها، ومايعتقدونه ويروجون له كأيمانهم بحائط المبكي وهيكل سليمان".

وشدد الفقي على أن "مسيرة الصهاينة على مر الزمان تقوم على الوهم والكذب والترسيخ لذلك عبر آلة إعلامهم المشؤومة"، حيث دعا إلى "كشف أكاذيب الصهاينة وفضح ما يروجون له من خلال صفحات وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام بأطيافه المختلفة".

من جانبه، قال الباحث المصري في شؤون الأمن القومي أحمد رفعت، في تصريحات لـRT إن "أول نتيجة من هذا الطرح هو هيمنة النبوءة الدينية على العقل الإسرائيلي على عكس ما يزعمون من غطاء مدني علماني هناك، وهذا المطروح من قصة البقرة وغيرها ليس إلا دجل ونصب فالله سبحانه وتعالي لا يزين الظلم ولا يبرره ولا يمهد الطريق له".

وأشار إلى أن "هذا العام يمر نصف قرن بالتمام والكمال على أولى نتائج الهندسة الوراثية، وهذا العلم متقدم في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أيضا ولديهم كليات ومعاهد عن التكولوجيا الحيوية والتعديل الوراثي الذي يستهدف الوصول إلى نتائج في الكائن الحي خارج سياق حياته الطبيعية ومنها تعديل شكله وحجمه ولونه".

وتابع: "لذلك هذا إن صح دجل ينبغي وقفه ولا يصح أن تترك المنطقة بالكامل لعبث المتطرفين والدجالين والمشعوذين، وفي السابق قالوا إن أجسام توراتة تتحرك في السماء وفوق مبان معينة ثم ثبت أنه ليزر وحتى ظهور علم الهولوجرام ولذلك فكرة استخدام العلوم المختلفة لخدمة الأفكار الدينية موجودة".

وأكد في النهاية أنه على كل حال المسجد الأقصي خط أحمر، وسوف تشتعل المنطقة بالكامل وأولها داخل القدس وفلسطين كلها إن تم المساس به.

وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية، قد علقت على ظهور "البقرة الحمراء" التي أثارت جدلا واسعا الفترة الأخيرة بوسائل التواصل الاجتماعي في مصر وسائر العالم العربي.

واعتبر البعض ظهورها مقدمة لتنفيذ المخطط الإسرائيلي لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المقدس المزعوم على أطلاله.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية منذ فترة على تمويل مشروع "البقرة الحمراء" الذي يهدف إلى بناء الهيكل اليهودي المزعوم في باحات الحرم القدسي الشريف، حيث يأتي هذا المشروع بتنظيم وإشراف من "معهد بناء الهيكل" الإسرئيلي الذي يستثمر الجهود والأموال الكثيرة للعثور على "البقرة الحمراء" والتي من خلالها سيتم تنفيذ بعض الطقوس الضرورية لبناء وإقامة الهيكل، حيث يأتي ذلك بالتعاون الوثيق مع منظمة "بناء إسرائيل" .

المصدر: RT

حسن نافعة - خطوة سعودية جديدة نحو التطبيع أم نحو التسوية؟

حسن نافعة
مدونة الاحرار : الميادين - حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة -  المقدّمات كلّها توحي بأن الخطوة التي أقدمت عليها السعودية مؤخراً، بتعيين سفير لها لدى السلطة الفلسطينية في هذا التوقيت بالذات، تبدو أكثر ارتباطاً بالجهود التي تبذلها إدارة بايدن حالياً لدفع عجلة التطبيع بين السعودية و"إسرائيل".

منذ أيام قليلة، قرّرت المملكة العربية السعودية تعيين سفيرها في الأردن، نايف بن بندر السديري، سفيراً فوق العادة مفوّضاً غير مقيم لدى فلسطين، وقنصلاً عامّاً بمدينة القدس في الوقت نفسه، وقام السديري بالفعل بتسليم نسخة من أوراق اعتماده إلى مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس للشؤون الدبلوماسية.

أثارت تلك الخطوة المفاجئة سيلاً من التعليقات المتضاربة، فبينما رأى فيها البعض دليلاً إضافياً على أن الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية الحالية لدفع السعودية نحو تطبيع علاقاتها مع "إسرائيل" توشك أن تؤتي ثمارها، خاصة وأن وجود سفير سعودي معتمد في الضفة وقنصل سعودي معتمد في القدس يساعد كثيراً على تسهيل الاتصالات الرسمية بين السعودية و"إسرائيل". 

رأى البعض الآخر في هذه الخطوة دليلاً واضحاً على تمسّك المملكة بمبادرة التسوية التي أقرّتها قمّة بيروت لعام 2002، وعلى حرصها في الوقت نفسه على استغلال حاجة الإدارة الأميركية الملحة لتحقيق إنجاز ملموس في مجال تطبيع العلاقة مع "إسرائيل"، لانتزاع تنازلات تسهم في إعادة فتح طريق التسوية السياسية المغلق منذ فترة طويلة، وبما يمهّد لإقامة دولة فلسطينية في المستقبل المنظور.

معنى ذلك أننا أمام قراءتين متناقضتين لدلالة الخطوة التي أقدمت عليها السعودية مؤخراً. فالقراءة الأولى تبدو لي أكثر اتساقاً مع المعلومات المتاحة والموثّقة حول الجهود التي تبذل لتطبيع العلاقات بين السعودية و"إسرائيل"، وهي معلومات تؤكد أنّ قنوات الاتصال غير الرسمية القائمة منذ سنوات طويلة بينهما لا تزال مفتوحة، بل وتوحي بأن السعودية بدأت تهيّئ نفسها تدريجياً للانضمام إلى قافلة الدول العربية المنخرطة في "اتفاقيات أبراهام"، خاصة وأنه لم يكن من المتصوّر عقلاً أن تقدم دولة خليجية مثل البحرين على تطبيع علاقاتها مع "إسرائيل" من دون الحصول على موافقة سعودية صريحة أو ضمنية على خطوة بمثل هذه الدرجة من الأهمية.

معنى ذلك أن المقدّمات كلّها توحي بأن الخطوة التي أقدمت عليها السعودية مؤخراً، بتعيين سفير لها لدى السلطة الفلسطينية في هذا التوقيت بالذات، تبدو أكثر ارتباطاً بالجهود التي تبذلها إدارة بايدن حالياً لدفع عجلة التطبيع بين السعودية و"إسرائيل"، منها بالجهود المبذولة لإقناع "إسرائيل" بإعادة فتح الطريق نحو قبول تسوية تقوم على أساس "حل الدولتين".

أما القراءة الثانية فتدخل، في تقديري على الأقل، في عداد التقديرات المستندة إلى البحث عن النوايا، وليس في عداد التحليلات المستندة إلى معلومات موثّقة. صحيح أن السعودية تعتبر نفسها الدولة العربية الأقوى والأهم في المرحلة الراهنة، ومن ثم ترى أنها ينبغي أن تعامل باعتبارها الجائزة الكبرى التي تستحق أن يدفع في مقابل الحصول عليها أغلى الأثمان، غير أنه لا يوجد ما يبعث على الاعتقاد بأن الأثمان المطلوبة لها علاقة بالبحث الجدي عن تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، والأرجح أن تكون لها علاقة بمصالح سعودية أولاً وقبل كل شيء.

فالسعودية تشترط على الولايات المتحدة أن تبادر باتخاذ سلسلة من الإجراءات التي تراها ضرورية كثمن يمكن أن يغريها بالإقدام على خطوة التطبيع الرسمي مع "إسرائيل"، أهمها: 

1-الموافقة على إبرام معاهدة أمن جماعي تلتزم الولايات المتحدة بموجبها بالدفاع عن السعودية في حال تعرّض الأخيرة للعدوان من أي جهة أو طرف خارجي، وذلك على غرار المعاهدة التي تربط بين الدول الأعضاء في حلف الناتو.

2-الموافقة على رفع القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة الأميركية المتطورة للسعودية، خاصة ما يتعلق منها بطائرات F35، وبمنظومات الدفاع الجوي اللازمة لتغطية وحماية الأجواء السعودية ضد أي هجمات صاروخية أو جوية قد تتعرّض لها.

3-مساعدة السعودية على بناء برنامج نووي سلمي يمكن للولايات المتحدة أن تشرف عليه وتراقبه، شريطة أن يتم تخصيب اليورانيوم داخل المملكة وليس خارجها.

وتجمع معظم وسائل الإعلام الأميركية على أن إدارة بايدن أصبحت أكثر ميلاً في هذه الأيام للاستجابة لمعظم الشروط السعودية، وذلك لسببين رئيسيّين:

الأول: حاجة الولايات المتحدة الماسة لإعادة إدخال المملكة السعودية من جديد إلى حظيرة النفوذ الأميركي، وقطع الطريق أمام محاولاتها الرامية للانفتاح على كل من روسيا والصين.

الثاني: حاجة بايدن الشخصية لتحقيق إنجاز دبلوماسي كبير يساعده على الفوز في انتخابات الرئاسة المقرّر إجراؤها في نهاية العام المقبل.

ولأنّ السعودية تبدو حريصة على ألّا تظهر بمظهر الدولة العربية التي لا تبالي بتوجيه طعنة لنضال الشعب الفلسطيني وخيانة قضيته العادلة، فمن الطبيعي أن تبحث لنفسها عن غطاء سياسي يتيح لها الادعاء أنها لم تقدم على تطبيع العلاقة رسمياً مع "إسرائيل" إلا بعد تمكّنها من الحصول على تنازل واضح من الكيان لصالح القضية الفلسطينية. لكن ما طبيعة التنازل الذي يمكن للولايات المتحدة أن تنتزعه من الحكومة الإسرائيلية الحالية؟

تشير تقارير عديدة نشرت مؤخّراً في معظم وسائل الإعلام الأميركية إلى أن إدارة بايدن دخلت منذ أسابيع، وربما شهور عديدة، في مفاوضات شاقة ومعقّدة لإقناع "إسرائيل" باتخاذ سلسلة من الإجراءات المتعلقة بالأراضي الفلسطينية والمستوطنات الإسرائيلية، أهمها:

1-الإعلان رسمياً عن عدم وجود نية لديها لضم الضفة الغربية أو أجزاء منها، سواء في الوقت الحالي أو في المستقبل.

2-الالتزام بعدم إقامة أيّ مستوطنات جديدة، أو الإقدام على توسيع المستوطنات القائمة حالياً.

3-الالتزام بعدم إضفاء صفة قانونية على المستوطنات "غير الرسمية".

4-الالتزام بتنفيذ ما ورد في اتفاقية أوسلو حول نقل بعض أراضي الضفة الغربية المدرجة في نطاق المنطقة جـيم، الخاضعة كلياً لسلطة الاحتلال في الوقت الحالي، إلى نطاق المنطقتين ألف وبـاء، الخاضعتين كلياً أو جزئياً للسلطة الفلسطينية.

ويتضح من هذه الإجراءات أن الأفكار المطروحة أميركياً تقتصر على عدد من الخطوات ذات الطابع الرمزي، لكن يعتقد أنها تكفي للإيحاء بإمكانية إعادة المسار التفاوضي من جديد، وترسيخ الاعتقاد بأن الطريق المفضي إلى تسوية على أساس حل الدولتين بات مفتوحاً، بعد أن كان يبدو مغلقاً تماماً، لكن هذه الأفكار لا تتضمّن في حقيقة الأمر أي إجراء قابل لإلزام "إسرائيل" بالانسحاب كلياً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وبإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، كثمن يتعيّن على السعودية أن تحصل عليه مقابل التطبيع الكامل لعلاقاتها بـ "إسرائيل"، وهنا مكمن الخطورة.

فالسعودية هي صاحبة المبادرة العربية التي تبنّتها قمة بيروت، وهي مبادرة تربط عضوياً بين تطبيع العلاقة مع "إسرائيل" وبين إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، أي أنها تشترط إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة أولاً قبل الشروع في تطبيع العلاقة مع "إسرائيل".

لذا يمكن القول من دون أيّ مبالغة إن إدارة بايدن ليست معنية بتمهيد الطريق أما إقامة دولة فلسطينية حقيقية ومستقلة، بقدر ما هي معنية بالبحث عن غطاء سياسي يسمح للسعودية بالمضي قدماً على طريق التطبيع الرسمي لعلاقتها بـ "إسرائيل"، من دون أن تشترط على الأخيرة في المقابل اتخاذ أي خطوة جادة تلزمها بالانسحاب الفعلي من كل الأراضي المحتلة في عام 1967، أو إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، لا الآن ولا في المستقبل المنظور.

وإذا صحّ هذا الاستنتاج، ينبغي علينا أن نطرح السؤال التالي: ما الذي يدور فعلاً داخل العقل السعودي حول تلك القضية الشائكة التي ستلقي حتماً بتداعياتها الخطيرة على حاضر ومستقبل المملكة؟

قد يقول قائل إن البحث في النوايا والضمائر لا يمت لحقل العلوم السياسية بصلة، وطالما أن السعودية لم تقدم على تطبيع علاقاتها رسمياً بـ "إسرائيل"، يفترض أنها لا تزال ملتزمة بالمبادرة العربية، من الناحية الرسمية على الأقل، ومن ثم لا يجوز التوصّل إلى استنتاجات متعجلة مبنية على الغوص في النوايا السعودية.

وهذا صحيح، ومع ذلك يمكن القول من دون تردّد إن المخاوف الناجمة عن احتمال إقدام السعودية على تطبيع علاقتها رسمياً مع "إسرائيل"، في مقابل خطوات رمزية لا تقدّم ولا تؤخّر في مجال البحث عن تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، لها ما يبرّرها وتستمدّ معقوليّتها من مسألتين على جانب كبير من الأهمية:

الأولى: تتعلّق بسلوك معظم الأنظمة العربية الحالية تجاه القضية الفلسطينية.

الثانية: تتعلّق بسلوك الحكومة الإسرائيلية الحالية، واحتمالات قبولها للعودة إلى مسار التسوية السياسية على أساس "حل الدولتين".

فقد سبق لجميع الدول العربية التي أقدمت على تطبيع علاقاتها رسمياً بـ "إسرائيل" أن وافقت على مبادرة بيروت العربية للسلام، والتي تلزمها بعدم التطبيع مع "إسرائيل" إلا بعد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، لكن أقدمت رغم ذلك على ارتكاب خرق واضح وصريح لنص وروح هذه المبادرة، ما يدعونا للاعتقاد بعدم استبعاد إمكانية القيام بتصرّف مماثل من جانب السعودية في أي وقت.

على صعيد آخر، يصعب جداً تصوّر أن تقبل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي أشدّ الحكومات تطرّفاً في "تاريخ إسرائيل"، العودة إلى مسار للتسوية يقوم على حل الدولتين، لأنه سيؤدي حتماً إلى انهيارها. لذا آمل أن تتوخّى السعودية منتهى الحذر، لأن إقدامها على تطبيع علاقاتها رسمياً بـ "إسرائيل"، من دون مقابل حقيقي وملموس، سيدخل العالم العربي كله في دوامة جديدة من الفوضى، قد لا يستطيع الخروج منها معافى هذه المرة.

تقسيم المسجد الأقصى بين الروايات المُلفَّقة والمبادئ القانونية

مدونة الاحرار : بحث لقناة الميادين - تهتم هذه الورقة البحثية بتفنيد الروايات الدينية اليهودية بشأن وجود هيكل سليمان، وتسليط الضوء على المبادئ القانونية الدولية للسيادة على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة. 

قسّمت مسودة القانون الصهيوني، الذي أعده عضو الكنيست عميت هاليفي، عن "حزب الليكود" الحاكم الذي يقوده بنيامين نتنياهو، المسجد الأقصى مكانياً بين المسلمين واليهود، بحيث يخصص محيط الجامع القبلي جنوباً للمسلمين، في حين تخصص قبة الصخرة حتى الحد الشمالي للمسجد لليهود تماماً. 

وإعادة تعريف المسجد الأقصى إسلامياً، بصفته مبنى الجامع القبلي حصراً، وأن كل ما سواه غير مقدَّس إسلامياً، يجعل المقدسات الإسلامية جزءاً من وحدة سياسية خاصة تحت وصايتها، بالمخالفة للحقائق التاريخية، وانتهاكاً لفكرة "الوضع الراهن"، أو "الوضع القائم" المعروف بــ "ستاتيكو".

لذا، من خلال هذه الورقة البحثية سنقوم بتفنيد الروايات الدينية اليهودية بشأن وجود هيكل سليمان؛ أو معبد القدس؛ أو "بيت همقداش" ("بيت المقدس"، أو "المعبد")، بحسب التسمِيَة اليهوديَّة، وتسليط الضوء على المبادئ القانونية الدولية للسيادة على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة. 

ينص مشروع القانون التفصيلي، الذي أعده هاليفي على التالي:

- التخلص من الدور الأردني في المسجد الأقصى تماماً، وإنهاء دور الأوقاف الإسلامية، ووضع خطة تدريجية لتحقيق ذلك.

- إتاحة المجال لليهود لدخول "جبل الهيكل" من كل الأبواب، كما يدخل المسلمون، وعدم اقتصار حركة اليهود على باب المغاربة.

- تحويل الحضور اليهودي في المسجد الأقصى إلى حضور ديني، في إشارة ضمنية إلى إقامة الطقوس التوراتية في المسجد.

- تخصيص المساحة، التي تبدأ من صحن الصخرة حتى أقصى شمالي المسجد لليهود، وهي تشكل 70% تقريباً من مساحة المسجد الأقصى.

يُذكر أن هذه هي المحاولة الأولى لصياغة مسودة قانون إسرائيلي لتقسيم المسجد الأقصى مكانياً، والثالثة محاولة صياغة قانون لتقسيم الأقصى بالمطلق، بحيث سبقتها محاولتان لتمرير قانون تقسيم المسجد الأقصى زمانياً في عامي 2014 و2015، ونصت تلك المسودات حينها على تخصيص المسجد الأقصى لليهود في أيام أعيادهم الدينية، وهو ما حاولت الحكومة الصهيونية فرضه بالفعل في 16 أيلول/سبتمبر 2015، على مدى أسبوعين، الأمر الذي أدى إلى انطلاق هبة القدس في 3 تشرين أول/ أكتوبر 2015.

روايات ملفقة
لعل أسوأ ما جاء في المشروع الصهيوني أنه أعاد تعريف المسجد الأقصى إسلامياً بصفته مبنى الجامع القبلي حصراً، وأن كل ما سواه من ساحات الحرم غير مقدس إسلامياً؛ أي  تُخصص لليهود قبة الصخرة التي ستتحول إلى "الهيكل" المزعوم، حتى الحد الشمالي لساحات الحرم. والسؤال المطروح هنا: هل شهد هذا الموقع بناءً دينياً يهودياً في التاريخ القديم؟

يزعُم بعض كَتَبَة التاريخ، استناداً إلى "العهد القديم/التناخ"، أنه أُقيمَ في القرنِ العاشر قبل الميلاد، معبد يهودي بناهُ المَلِك سليمان. ووفقاً للكِتاب المقدَّس، فإن داود هو صاحب فكرة بناء هيكل ثابت للرَّب، بدلاً من خيمة الشهادة المتنقِّلة.

من القضايا المهمة، التي تشير إلى مغالطات المؤرخين وتبنيهم وجهة نظر التناخ، وأحياناً كثيرة المغالاة فيها، موضوع "المملكة الداودية – السليمانية"، فمعظم الذين كتبوا في هذا الموضوع من الباحثين التوراتيين، أشاروا إلى أن هذه المملكة، التي عادة ما تُرْبَطُ بالفترة الممتدة من (960 -930 ق.م)، كانت أعظم إمبراطوريات المشرق العربي، وأن حدودها امتدت لتغطي كل بلاد الشام، ولم تقتصر على فلسطين فحسب. 

وعلى الرغم من أن التوراة لا تكلّ عن مديح عصر داود وسليمان وعدّه العصر الذهبي الإسرائيلي، والإشادة بما يقال عن إنجازات عصرهما الثقافية والعمرانية والإدارية، فمن الطبيعي أن نتوقع العثور على أثر واحد على الأقل يعود إلى تلك المرحلة، عمرانياً كان أم وثيقياً أو نقشاً، أو ما إلى ذلك، لكن الحقيقة، حتى هذه اللحظة، أنه لم يتمكن الآثاريون من العثور على أي دليل يشير، صراحة أو كناية، إلى المملكة الداودية - السليمانية في فلسطين. 

إن مصدرنا الوحيد عن أعمال داوود وسليمان وعن دوريهما السياسي والعمراني هو التناخ، والتناخ وحده، إذ لم يعثر المنقبون على أي أثر من هذا الدور. فلا توجد مصادر تاريخية تدعم السجل التوراتي، كما لا تساهم المخلفات الأثرية في إيضاح ذلك.

على الرغم من أن الأثريين ليس في إمكانهم إظهار دليل على أن "هيكل سليمان" كان له وجود في القرن العاشر قبل الميلاد، فإنه يجري في علم الآثار الإنجيلي استخدام التصورات عن هيكل سليمان بصفتها من مفاهيم الترتيب الزمني لتاريخ بني إسرائيل، وهو ما يرفع الأسطورة الإنجيلية إلى مصافّ الحقيقة التاريخية ([1]). 

يقول الباحث التاريخي السويدي، هانس فوروهاجن، إن "وصف الكتاب المقدس هذا هو الوثيقة الوحيدة التي لدينا عن "هيكل سليمان". فالمبنى لا وجود له في حوليات الآشوريين أو البابليين، ولا وجود له في النقوش التي عُثر عليها في أنحاء متعددة من "الأرض المقدسة"، كما لا توجد أي مكتشفات أثرية تشير إلى أن هيكلاً كبيراً وُجد في أورشليم خلال القرن العاشر قبل الميلاد". ([2]). 

في هذا السياق، يقول أوسشكين، أستاذ الآثار في "جامعة تل أبيب"، إنه "من منظور علم الآثار ليس هناك ما يمكن معرفته عن جبل الهيكل في القرنين العاشر والتاسع ق.م". أمّا جين كاهل، أستاذة الآثار في الجامعة العبرية، فتقول إنه "ليس هناك أي بقايا أثرية في القدس يمكن أن تعرَّف بثقة بأنها تعود إلى أي بناء سماه "الكتاب"". 

ويؤكد ذلك نايلز لمكه، أستاذ الدراسات التوراتية في جامعة كوبنهاغن قائلاً إنه: "لم يكتشف نقش واحد يعود إلى زمنهما [داود وسليمان]، ولم تكتشف كسرة واحدة من بناء عظيم" ([3]).

يدحض توماس طُمسن، في كتابِهِ "الماضي الخرافي (التوراة والتاريخ)"، مفهوم بناء الهيكل السليماني، بصفته مركزاً لعبادة يهوه، قائلاً إن "تلك الصور لا مكان لها في أوصاف الماضي التاريخي الحقيقي. إننا نعرفها فقط كقِصَّة، وما نَعرفهُ حول هذه القِصص، لا يُشجِّعنا على معاملتها، كما لو أنها تاريخيَّة" ([4]).

تزداد المسألة تعقيداً مع التوغل في قراءة نصوص "الكتاب" عن مكان الهيكل التي تدعى "هيكل سليمان" قائماً على جبل موريا (وهو الذي عُرف بعد باسم جبل الهيكل (Temple Mount)، وهو الموقع نفسه الذي يقوم عليه الحرم القدسي الشريف. فأين جبل موريا؟ للإجابة عن هذا السؤال، تجدر العودة إلى ما أوردته الآثارية "الإسرائيلية" ريفكا جونين (Rivka Gonen) عن نوعِ التزييفِ القائم من اختلاط الأسماء، بحيث قالت "إن إحلال جبل موريا، حيث بَنى سليمان المعبد، مَحَل أرض الموريا؛ وهو تعبير جغرافي غامض، لا يمكن أن يكون قد حَدث في فترة الهيكل الأول؛ لأنهُ لم تَجرِ أي إشارة إلى جبل موريا، في أي من الأسفار، باستثناءِ سِفرِ أخبار اليوم... وسِفرِ الأيام كِتاب مُتأخِّر؛ فهو من عمل المحرَّرين، في زمنِ ما بعد العودة من المنفى، في بابل. وهكذا يبدو أن إحلال جبل موريا، محل أرض الموريا، كان المقصود به أن يُسبغ على هيكل سليمان، وأكثر من ذلك على الهيكل الذي كان قد بُنِيَ حديثاً [الهيكل الثاني]، هالة المكان الذي شَهَدَ حادثة تربيط إسحق التذكاريَّة" ([5]).   

ومع ذلك، هناك إصرار عجيب في الكتابات الدينية والتاريخية، يعوزه الدليل الأثري على أن يكون موقع الهيكل في جبل موريا، بمعنى أن يكون في إطار الحرم القدسي الشريف. 

لم يكن، إذاً، ثمة موقع في محيط القدس يُعرف باسم جبل موريا كان سليمان بنى عليه الهيكل. إن قصة بناء الهيكل السليماني غير قابلة للتصديق، وإنها مجرد تلفيق توراتي.

علاوة على ذلك، لا نجد في كلِ سوَرِ القرآن الكريم، التي تتحدَّث عن داود، وابنه سليمان، أقل دليل، أو حتى تلميح، بشأن وجودِ مثل هذا الهيكل المزعوم، في فلسطين، فعندما فتح المسلمون بيت المقدس (636 ميلادياً)، لم يكُن يوجد أي أثر لمعبد يهودي، ولا حتى ليهودي مُقيم. وهذا يبدو جَليّاً من وثيقةِ الأمان، التي أعطاها الخليفة عمر بن الخطاب لأهلِ إيليا، فلقد تضمَّنت الوثيقة نصاً على "ألاّ يَسكُن بإيليا (القدس)، معهم أحد من اليهود"، ويتَّضِح من هذا النَص، أنه لم يكُن هناك أي أثر يهودي في القدس، بالإضافة إلى أنه لو عَلِمَ بأن هناك قُدسِيَّة لمدينة القدس عند اليهود، لَمَا نَصَّ على ذلك، في العهدة الشهيرة؛ وهذا يؤكِّد ما ذهبنا إليه، بشأن عدم وجود "هيكل سليمان"، في فلسطين.

انتهاك فكرة "الوضع الراهن"
يشير المصطلح اللاتيني "ستاتيكو" إلى الوضع القائم، ويُستخدم للدلالة على "الحالة الراهنة"، أو "الوضع الراهن"، وإبقاء الوضع على حالة من دون تغيير، فهو الوضع القائم قبل حدوث التغيير. وتسعى الثورات والانقلابات والتحركات الحاسمة لتغيير الوضع الراهن أو إطاحته؛ أي العودة إلى حالة ما قبل الحرب ([6]).

كلمة الـ"ستاتيكو" معروفة جداً بين الطوائف المسيحية في القدس. في الواقع، فإن "الفرمان"، الذي أصدره السلطان العثماني عثمان الثالث في عام 1757م، هو الذي بدأ يعرف بالـ"ستاتيكو"؛ أي إبقاء القديم على قدمه، وفيه تحددت حقوق كل طائفة في الكنائس، ولا سيما في كنيسة القيامة، وكذلك تحددت الحقوق فيها بأدق التفاصيل ([7]). 

تلك المبادئ، التي جاءت في القانون الصادر عن الدولة العثمانية بتاريخ 2 آب/أغسطس 1852، أبقت السيادة على الأماكن المقدسة في القدس للمسلمين. 

ويرتبط مبدأ "الستاتيكو" تاريخياً بالأماكن المقدسة، ويتمثل بأن يبقى الوضع القائم على ما هو عليه، بحيث لا يحق لأحد المس به، وهو أساساً على الوضع الراهن الذي يختص بكنيسة القيامة وساحتها وكنيسة العذراء مريم في الجثمانية، وكنيسة المهد في بيت لحم، وكنيسة الصعود على جبل الزيتون في القدس، ودير السلطان على سطح كنيسة القيامة ([8]).

إن جوهر "الوضع الراهن" أو "ستاتيكو"، يُعَد جزءاً من المعاهدات الدولية، كمعاهدة باريس عام 1855، ومعاهدة برلين عام 1878، والتي نصت على ضرورة المحافظة على الوضع الراهن فيما يتعلق بالأماكن المقدسة ([9]). ووسّعت هذه المادة الترتيبات لتشمل كل الأماكن المقدسة، وليس المسيحية فقط.

عندما احتل البريطانيون القدس بقيادة اللنبي في 11/12/1917م، أعلم السكان بأن "مدينتكم محترمة في نظر أتباع الديانات الثلاث الكبرى وترابها مقدس في نظر الحجاج والمتعبدين الكثيرين من أبناء الطوائف الثلاث المذكورة منذ قرون وأجيال. أود أن أحيطكم علماً بأن كل بناء مقدس، ونصب ومكان مقدس أو معبد أو مقام أو مزار أو أي مكان مخصص للعبادة من أي شكل وإلى أية طائفة من الطوائف الثلاث سيُصان ويحتفظ به عملاً بالعادات المرعية وبالنسبة إلى تقاليد الطائفة التي تملكها" ([10]).

تم تكريس جوهر "الوضع الراهن" أو "ستاتيكو" في القانون الدولي من خلال عدد من الصكوك القانونية، وأكدها البريطانيون في عام 1923 بعد توليهم الانتداب، في محاولة لفهم "الوضع الراهن" بصورة أفضل، كلفت الإدارة العسكرية البريطانية ليونيل جورج آرتشر كاست، وهو جندي بريطاني حاصل على تعليم كلاسيكي، لإجراء ملخص عام لـ"الوضع الراهن" في الأماكن المقدسة. 

وفي عام 1929 نُشرت الوثيقة النهائية لـ "الوضع الراهن"، وسرعان ما أصبحت النص المعياري بشأن هذا الموضوع ([11]).

فالسيادة التاريخية على الأماكن المقدسة كانت للمسلمين، وعلى أثر الاضطرابات التي وقعت في شهر آب/أغسطس 1929، أرسلت الحكومة البريطانية لجنة "حائط البراق الدولية" عام 1930. كانت المشكلة الرئيسة، التي واجهت اللجنة يومذاك، تتمثّل بمحاولة الجماعات الصهيونية قلب "الوضع الراهن" بالنسبة إلى الأماكن المقدسة، إذ ركزت جهودها منذ البداية على حائط البراق، متَّبعةً أساليب تدريجية تصاعدية تتنهي بها إلى أن "للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف، وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط لكونه موقفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير. إن أدوات العبادة و(أو) غيرها من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط، إمّا بالاستناد إلى أحكام هذا القرار وإما بالاتفاق بين الفريقين، لا يجوز في حال من الأحوال أن تعتبر أو أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له" ([12]).

واســتمرّ تطبيــق "الوضع الراهن" خلال فتــرة الانتداب البريطانــي، بــل تـم إدراجـه ضمن فكرة "الحقوق القائمة" فـي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 181، بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، والذي عُرف بـ"التوصية بخطة تقسيم فلسطين"، بحيث نص في الفصل الأول، بعنوان "الأماكن والأبنية والمواقع الدينية"، على أنه: 

1- "لا تنكر أو تمس الحقوق القائمة المتعلقة بالأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية.

2- فيما يختص بالأماكن المقدسة، تضمن حرية الوصول والزيارة والمرور، على نحو ينسجم مع الحقوق القائمة لجميع المقيمين والمواطنين في الدولة الأخرى، وفي مدينة القدس، وكذلك للأجانب من دون تمييز في الجنسية، على أن يخضع ذلك لمتطلبات الأمن القومي والنظام العام واللياقة. كذلك تضمن حرية العبادة، على نحو ينسجم مع الحقوق القائمة، على أن يخضع ذلك لصيانة النظام العام واللياقة" ([13]).   

وأقر مجلس الوصاية، التابع للأمم المتحدة، النظام الخاص بمدينة القدس في صيغته النهائية في نيسان/أبريل 1950، والذي يدعو فيه كلاً من "إسرائيل" والأردن إلى التعاون من أجل تنفيذ هذا النظام. 

وكان من أبرز النقاط التي وردت في النظام: "تكون الأماكن المقدسة موضع عناية الحاكم، وفي حالة نشوب أية خلافات يقوم الحاكم بحلها على أساس الحقوق المستقرة "الوضع الراهن".." ([14]).

قامت منظمة "اليونيسكو" بصياغة عدد من القرارات، التي ترتبط بالقدس والمسجد الأقصى. ومن هذه القرارات ما أصدرته في الدورة الــ 200، بحيــث أصــدرت عام 2016 القرار المعروف باسم قرار "فلسطين المحتلة"، والذي ينفي وجود أي ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق، ويعدّهما تراثاً إسلامياً خالصاً. 

وعبّر القرار عن "بالغ استيائه من امتناع إسرائيل، القوة المحتلة، عن وقف أعمال الحفر والأشغال المتواصلة في القدس الشرقية، ولا سيما في المدينة القديمة وحولها. ويطلب مجدداً إلى إسرائيل، القوة المحتلة، حظر كل هذه الأشغال وفقاً للواجبات التي تفرضها عليها أحكام اتفاقيات اليونيسكو وقراراتها المتعلقة بهذا الموضوع، ويطالب إسرائيل، القوة المحتلة، بإتاحة العودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائماً حتى شهر أيلول/سبتمبر من عام 2000، إذ كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية السلطةَ الوحيدة المشرفة على شؤون المسجد الأقصى/الحرم الشريف. ويطلب إلى إسرائيل، القوة المحتلة، احترام الوضع التاريخي الذي كان قائماً. ويؤكد مجدداً، في هذا الصدد، وجوب التزام إسرائيل صونَ المسجد الأقصى/الحرم الشريف وأصالته وتراثه الثقافي، وفقاً للوضع التاريخي الذي كان قائماً، بصفته موقعاً إسلامياً مقدَّساً مخصصاً للعبادة. ويؤكد مجدداً أن منحدر باب المغاربة جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى/الحرم الشريف، ويستنكر مواصلة إسرائيل اتخاذ تدابير وقرارات أحادية الجانب فيما يخص منحدر باب المغاربة" ([15]).  

باختصار، يمكننا القول إن مسودة القانون الصهيوني بتقسيم المسجد الأقصى مكانياً بين المسلمين واليهود، لن يكون في مقدورها اختراع حقيقة تاريخية بشأن وجود هيكل سليمان، أو معبد القدس؛، أو "بيت همقداش" ("بيت المقدس"، أو "المعبد")، فهي، في الأساس مُلفقة، مثلما أثبتت ذلك كل البحوث الأركيولوجية. 

ولن يقدم البرهان على يهودية "الحائط الغربي"، وهو الأمر الذي نفته لجنة "حائط البراق الدولية" عام 1930، بالتأكيد على أن "للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي"، ويُعَدّ هذا القانون انتهاكاً خطيراً لفكرة "الوضع الراهن"؛ "الوضع القائم"؛ "ستاتيكو".

المراجع
(1) هانس فوروهاجن، فلسطين والشرق الأوسط بين الكتاب المقدس وعلم الآثار، ترجمة: سمير طاهر، ط1، القاهرة، الكتب خان للنشر والتوزيع، 2017، ص 182.

(2) المرجع نفسه، ص 187.

(3) د.عصام سخنيني، القدس تاريخ مختطف وآثار مزورة، ط1، اللجنة الملكية لشؤون القدس، عمان، 2009، ص (110- 111). وأيضاً د. عصام سخنيني، تهافت التأريخ التوراتي، ط1، عمان، الأهلية للنشر والتوزيع،2018، ص 171.

(4) تومس طمسن، الماضي الخرافي (التوراة والتاريخ)، ترجمة: عدنان حسين، ط2، دمشق، قدمس للنشر والتوزيع، 2003، ص 268.

(5) سخنيني، مرجع سبق ذكره، ص (148-149).

(6) د. عصام سخنيني، تهافت التأريخ التوراتي، ط1، عمان، الأهلية  للنشر والتوزيع،2018، ص 171. وأيضاً د.عصام سخنيني، القدس تاريخ مختطف وآثار مزورة، ط1، اللجنة الملكية لشؤون القدس، عمان، 2009، ص (110- 111).

(7) د. أحمد حسين عبد الجبوري، القدس في العهد العثماني (1640 ــ 1799م)، ط1، دار ومكتبة الحامد للنشر والتوزيع،عمان، 2010، ص 98.

(8) مؤسسة القدس الدولية، تهويد القدس وآليات المواجهة السياسية والإعلامية، ط1، بيروت، 2017. (د. رياض حَمُّود ياسين، الدور الأردني: الواقع وآفاق التأثير، ورقة بحثية ضمن ورشة العمل التي عقدت في بيروت ــ 26/10/2016، ص 145).

(9) شذا الخطيب، القدس العربية ثلاثون عاماً من التهديد والتحدي، مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، 2001، ص 111.

(10) عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، ط4، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007، ص 576.

)11  (Marshall J. Breger, Yitzhak, and Leonared Hammer, Holy Places in the Israeli-Palestinian 
      Conflict: Confrontation and Co-existence, Routledge Taylor Francis Group, London and 
      New York, 2010, p 24.

(12) «الحق العربي في حائط المبكى في القدس، تقرير اللجنة الدولية المقدم إلى عصبة الأمم عام 1930»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1968، ص (9- 143).

(13) قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي ـ الإسرائيلي، المجلد الأول: 1947ـ 1974، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1993.

(14) سالم الكسواني، المركز القانوني لمدينة القدس، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1977، ص200.

(15) Occupied Palestine: draft decisions (ara) - UNESCO Digital Library.