مدونة الاحرار : النهار العربي - بعد عامين على مسار 25 تموز (يوليو) 2021 الذي أطلقه الرئيس التونسي قيس سعيّد، تختلف التقييمات بين مساند يرى فيه خلاص البلاد من "حكم منظومة فاشلة وفاسدة"، ومعارض يعتبره "انقلاباً على تجربة ديموقراطية رائدة في محيطها أشاد العالم بها"، في مقابل تساؤلات كثيرة بشأن مستقبل تونس وقدرتها على تجاوز أزماتها المتعددة.
وتحلّ الذكرى الثانية لحوادث 25 تموز التي توافق الاحتفال بالذكرى 66 لعيد الجمهورية وسط ظروف استثنائية تعيشها تونس وتشكل الأزمات الاقتصادية والسياسية والمناخية عناوينها الكبرى.
قبل عامين أعلن الرئيس سعيّد جملة من التدابير الاستثنائية في تونس وعلّق أعمال مجلس النواب الذي كانت "حركة النهضة" تسيطر عليه إثر اضطرابات عمّت كامل مدن تونس، مستنداً الى الفصل 80 من دستور 2014 المتعلق بالخطر الداهم ومعلنا عن انطلاق قطار "مسار 25 تموز (يوليو) الاصلاحي".
محطات 2022-2023 السياسية
عاد سعيّد في آذار (مارس) 2022 ليحلّ المجلس النيابي نهائياً قبل أن يدعو إلى استفتاء على دستور جديد في 25 تموز 2022 أنهى سيطرة البرلمان على الحكم وأعاده إلى رئاسة الجمهورية، وتلته انتخابات تشريعية مبكرة في كانون الأول (ديسمبر) 2022 انتهت بانتخاب مجلس نيابي جديد باشر أعماله بداية العام الجاري.
وفي حين أعلنت المعارضة رفضها لمسار سعيّد مؤكدة أنه "يرسخ مزيداً من الديكتاتورية من خلال تجميع كل السلطات في يد الرئيس" رفض الرئيس التونسي ذلك، مشدداً على أنه يحكم وفق إرادة الشعب وباسمه من أجل استعادة سيادته وإصلاح ما أفسده حكام العشرية الأخيرة بقيادة الإسلاميين.
ولم يقلص حجم الانتقادات الموجهة لسعيّد من حجم دعم مناصري مساره، ويقول المحلل السياسي مهدي المناعي إن "منعطف 25 تموز 2021 كان ضرورة فرضتها حالة الاحتقان التي عاشتها تونس في تلك الفترة"، موضحاً أنه "كان من الممكن أن يذهب البلد نحو حرب أهلية".
لم يكن عام 2023 مختلفاً عن 2022 من حيث تسارع الأحداث السياسية وكان عنوانها الأبرز اطلاق مسار المحاسبة، فقد باشر القضاء جملة من التحقيقات والملاحقات القضائية ضد قيادات من حزب النهضة الإسلامي كان من أبرزها رئيس الحركة ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي ونائبه رئيس الحكومة السابق علي العريض ووزير العدل السابق نور الدين البحيري إضافة الى عشرات الموظفين والأمنيين بشبهات التورط في الإرهاب وتبييض الأموال.
وشملت التوقيفات في مرحلة لاحقة مجموعة من السياسيين ورجال الأعمال والإعلام وجهت لهم تهمة التآمر على أمن الدولة والتخطيط للانقلاب على الحكم.
وشكلت هذه التوقيفات منطلقاً لتظاهرات ووقفات احتجاجية لا تزال متواصلة وقادتها شخصيات وأحزاب معارضة، لكنها لم تثن سعيّد عن موقفه رغم الدعم الخارجي الذي لاقته من جهات رسمية وحقوقية.
ولم تقتصر معارك سعيّد خلال العامين الأخيرين على الطبقة السياسية التي حكمت تونس على امتداد أكثر من عشرة أعوام، فقد هاجم القضاة داعياً لـ"إصلاح المنظومة القضائية"، وفي السياق عزل 57 قاضياً وسمّى مجلساً أعلى جديداً للقضاء وسط معارضة واسعة من الهياكل النقابية القضائية المحلية والدولية.
وفي حين أشاد المناعي بهذا المسار مؤكداً أن سعيّد أعطى الضوء الأخضر لمسار جدي لمحاسبة المفسدين، يقول المعارض السياسي هشام العجبوني إن الوضع الحقوقي والسياسي في تونس شهد تدهوراً كبيراً خلال العامين الأخيرين "بعدما كشرت السلطة عن أنيابها من باب المرسوم 54 المتعلق بحرية النشر"، والذي يرى أنه كان باباً "لتصفية الحسابات السياسية مع المعارضين وكم أفواههم".
أزمة اقتصادية متواصلة
اقتصادياً تستمر تونس بالتخبّط في أزمتها الاقتصادية التي ضاعفت التغيّرات المناخية من آثارها بسبب موجة الجفاف المتواصلة للموسم الرابع على التوالي، وتضرر المنظومة الزراعية برمتها ما يزيد من حجم الشكوك بشأن قدرتها على الخروج منها في المستقبل القريب.
وعانى التونسيون على امتداد العامين الأخيرين من نقص كبير في المواد الأساسية وكانت طوابير الخبز والسكر والقهوة والبنزين من أبرز المشاهد التي طبعت الشارع التونسي.
في المقابل عجزت حكومة نجلاء بودن عن التوصل الى اتفاق مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض بقيمة 1.9 مليار دولار من أجل تعبئة موارد موازنتها، وبينما يصرّ الصندوق على تنفيذ جملة من الإصلاحات الموجعة من أبرزها رفع الدعم عن الطاقة والمواد الغذائية يتمسك سعيّد برفض ذلك قائلاً إنه يرفض المساس بقوت شعبه.
وتوازياً مع أزمات الوقود والمواد الغذائية واصلت مؤشرات البطالة والفقر ارتفاعها، ولأوّل مرة في تاريخ تونس منذ 30 سنة بلغت نسبة التضخم رقمين فيما زادت نسبة المديونية ليبلغ حجم الدين الخارجي مستويات قياسية محققاً في سنة 2023 نسبة ارتفاع تجاوزت 10 في المئة مقارنة بعام 2022.
ويرى العجبوني أن ضبابية المشهد السياسي ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي في البلاد، مشدداً على أن الانفراد بالحكم لا يمكنه أن يقدم حلولاً لأزمة بلده الاقتصادية وخصوصاً في ظل غياب برامج ومشاريع تساهم المعارضة في بلورتها.
وحمّل المعارض التونسي الحكومة مسؤولية فشل المفاوضات مع صندوق النقد، قائلاً: "لقد صوتت على موازنات لم تحترم فيها تعهداتها".
وتوقّع استمرار الأزمة الاقتصادية بسبب "غياب رؤية واضحة وعدم استقرار المناخ العام" في مقابل "الترويج لحلول وهمية كالتعويل على الصلح الجزائي والشركات الأهلية".
توقيع اتفاقية الهجرة
في المقابل يظل الاتفاق الموقع قبل أيام مع الاتحاد الأوروبي من أهم الأحداث التي عاشتها تونس خلال العام الثاني من المسار الاستثنائي للرئيس سعيّد.
وقبل أيّام وقّع سعيّد اتفاق شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي بخصوص أزمة الهجرة غير النظامية، وحصلت تونس على تعهدات بحزمة من المساعدات الاقتصادية من بينها دعم مباشر لموازنتها، وفي المقابل التزمت بالعمل على وقف نزيف رحلات الهجرة غير النظامية من سواحلها واستعادة أبنائها المهاجرين السريين في فضاء "الشينغن".
وكان ملف المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء من أبرز الملفات التي واجهها الرئيس سعيّد عام 2023 والذي تحدث عن مخطّط لتوطينهم ببلده وتغيير تركيبته الديموغرافية، رافضاً تحويله لأرض إقامة.
وتحولت تونس خلال الأعوام الأخيرة الى مقصد لآلاف الفارين من دول أفريقيا جنوب الصحراء ما أثار تذمر السكان.
وقبل أسابيع نشبت مواجهات بين أهالي مدينة صفاقس ومهاجرين غير نظاميين بعد مقتل مواطن تونسي على أيدي ثلاثة منهم ما أجبر السلطات على إبعادهم إلى جنوب البلاد وسط إدانات حقوقية واسعة.

ليست هناك تعليقات: